مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

برمجة العقل بالقرآن

كيف يمكن للقرآن أن يبرمج العقل البشري فيسيطر على أفعال الإنسان وحركاته وسكناته، وما النصيحة لمن يكتب بحثًا عن برمجة القرآن للعقل؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا باب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. أما بعد، فينبغي الانتباه أولا إلى أن السائق الذي يقود الإنسان في هذه الحياة الدنيا لا يقتصر على عقله الذي وهبه إياه ربه تبارك وتعالى، فإن للقلب أثرًا كبيرًا في توجيه سلوك هذا الإنسان، ولذلك فإن الهدايات تغشى هذا القلب، وتستجيب عندئذ الجوارح لأنوار هذه الهدايات التي وصلت إلى قلب المؤمن. وهذا نجده كثيرا في كتاب الله عز وجل، فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، ويبين لنا في مواضع كثيرة أن ما يتعلق بالانحراف والغي الذي يمكن أن يصيب هذا الإنسان قد لا يكون ناشئا عن مدارك العقل، وإنما مرد ذلك إلى غوايات القلب، فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. ولما ذكر عن أقوام قبل هذه الأمة، لما ذكر عن بني إسرائيل، ذكر ما نُصب لهم من أدلة عقلية تقبلها عقولهم، ولكنهم انحرفوا عن الصراط المستقيم لا بسبب ما أصاب عقولهم وما أدركوه بمداركهم العقلية، وإنما بسبب ما غشى قلوبهم؛ فالله تبارك وتعالى حينما ذكر قصة البقرة في بني إسرائيل وكيف جعلها الله تبارك وتعالى سببًا لإقامة الحجة على الجاني، قال بعد ذلك: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، مما يعني أن الانحراف إنما نشأ بسبب قسوة القلوب. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا إن التقوى ها هنا» وهو يشير إلى صدره، ويقول: «ألا وإن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فمن أجل ذلك، الظن بأن مسيرة الإنسان في هذه الحياة الدنيا يحددها ما يتعلق ببرمجة عقله فقط هو نظرة قاصرة. لا ريب أن البصيرة التي تفتح المدارك للعقول والأذهان لإدراك حقيقة هذه الحياة الدنيا، ولفهم ظواهرها، ولمعرفة سنة الله عز وجل فيها – أي في الحياة – هي سبب جوهري في صياغة شخصية هذا الإنسان وتمكينه من معرفة الحق من الباطل، لكن لا يعني ذلك التزامه بالحق وبعده عن الباطل؛ يمكن أن يعرف دون أن يلتزم. وهذه الثنائية المتعلقة بمعرفة الحق دائما ما تقترن في كتاب الله عز وجل بالالتزام بالحق، إذ إن معرفة الحق وحدها دون أن تتبع بالتزام واستقامة لا تغني صاحبها، بل تكون حجة عليه؛ ولذلك نجد أن الله تعالى يعتب على أهل الغي والضلال هذا الانحراف لا لأنهم لا يدركون الحقيقة، وإنما لما يصيب قلوبهم من قسوة ولاتباعهم للهوى والشهوات. فنجد في كتاب الله عز وجل على سبيل المثال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾، ويقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. فهذا أولا مما يتعلق بالسؤال للتنبيه، وأنا لا أظن أن السائل – بإذن الله تعالى – يهمل هذا الجانب؛ فعليه في بحثه ودراسته أن يلتفت إلى هذه المعاني القرآنية المتعلقة بإصلاح القلوب، وبأثر تأثير هذه القلوب في الهيمنة على حركة هذا الإنسان وتوجيهه، بما في ذلك تأثير هذا القلب على عقل هذا الإنسان؛ لأن عددا أيضا من الأبحاث المعاصرة العلمية تدل على، أو تثبت، أن تأثير القلب هو تأثير سيادة على العقل، ونقصد بالعقل العقل المجرد هنا، لا نقصد به ما يتعلق بالعظة والعبرة التي يمكن أن تُدرك بمدارك العقول، لأن هذه ترجع إلى النفس والقلب من حيث آثارها ومن حيث توجيهها لحركة الإنسان في هذه الحياة. فينبغي أن توسع الدراسة إذن للنظر إلى ما يمكن أن يكون – كما ورد في السؤال – مبرمجا لحركة الإنسان، بحيث لا يُفصل بين ما يتعلق بما هو من العقل وما هو مناط قلب هذا الإنسان؛ فلا نرى أن صفاء القلب بالتوبة إلى الله تبارك وتعالى، وبالإكثار من الصالحات، وبفتح نوافذه لوصول أنوار هدايات كتاب الله عز وجل وما ورد في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تعيد صياغة هذه الشخصية. وهذا ما حصل في تاريخ المسلمين؛ فما الذي لدى العرب؟ هل عندهم إرث حضاري كان يسمح لهم بالبقاء والديمومة، والقوى المهيمنة في ذلك الوقت كانت على أطراف بلدانهم؟ هل كان يمكن لهم أن يصمدوا أمام هذا المد الحضاري الآتي من حضارات فارس والروم، وهم لا يملكون إلا لغةً وآدابًا وبعض أعراف، لكنهم شتات، ممزقون، لا هم لهم في هذه الحياة إلا ابتغاء عيشهم وتلبية رغباتهم وضمان وجودهم، بقاء بقائهم في هذه الحياة، ليس لهم طموح، لا ينظرون إلى وضع حضاري يسمح لهم بمنافسة الحضارات الكبرى في ذلك الوقت، ما كانوا يتصورون أن يكونوا روادا للعلم والحضارة والأخلاق والقيم والآداب. فجاء هذا الدين فأعاد صياغتهم، جاءت هدايات كتاب الله عز وجل فغيّرت مسير حياتهم، بل غيّرت مسير الحياة الإنسانية، صنعت منهم رجالا يطمحون إلى أن يكونوا قوادا لحركة الإنسانية جمعاء بالعلم والخلق والإيمان، وبالفضيلة، وبالقيم، وبالمناهج الراسخة التي تبصر الإنسان بحقيقة وجوده في هذه الحياة الدنيا وتدعوه إلى عمارتها تأسيسا على إيمانه بالله واليوم الآخر، تدعوه إلى التزام الفضيلة والخلق الحسن ابتغاء ما عند الله تبارك وتعالى، تدعوه إلى أن يكترث لشأن الإنسانية، وأن يبعث في هذه الإنسانية رسائل الرحمة والهدى والرشد؛ لأن في ذلك مرضاة الله تبارك وتعالى. ولذلك حققوا في وقت قصير ما لم تحققه هذه الحضارات في مئات السنين بل في آلاف السنين؛ تمكنوا من قيادة ركب الإنسانية، وهذا لا يغمط حقه إلا جاهل أو متعصب. تأخر المسلمون في هذه الأعصر المتأخرة لأنهم فرطوا في أسباب انبعاثهم الحضاري، التمسوها يمْنَة ويَسْرَة، وتركوا ما آتاهم الله تبارك وتعالى مما يحقق لهم – كما حقق لسلفهم من قبل – الريادة والقيادة وما يحوزون به قصبات السبق؛ فرطوا في ذلك، وإذا بهم يأخذون فُتاتًا لدى غيرهم، وغالبا ما يكون هذا الفتات بعيدا عن مراشد الإيمان وهدايات القرآن وما أتى به وحي الله تبارك وتعالى، ولذلك أصابهم ما أصابهم. حتى لا نستطرد بعيدا، مثل هذه القضايا لا بد أن تُدرس دراسة شاملة، وأن تكون مصطبغة بصبغتنا الإيمانية الإسلامية، لا أن تكون نقلا أيضا لما لدى غيرنا، فنكون مع كل ناعق، ونصيح مع كل صائح؛ لا بد أن تأخذ من مبادئنا وهويتنا وتجربتنا وتاريخنا وحضارتنا ما يجعلنا نستفيد منها، لكننا يمكن أن نقدم فيها ما هو أولى وأفضل وأحسن. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ١٤‏/٦‏/٢٠٢٠👁 2 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - ليلة 23 شوال 1441 هـ HD

السيرة النبويةالقرآن الكريم

✦ فتاوى مشابهة

برمجة العقل بالقرآن

2 👁

كيف يمكن للقرآن أن يبرمج العقل البشري فيسيطر على أفعال الإنسان وحركاته وسكناته، وما الضوابط لمن يكتب بحثاً في هذا الموضوع؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

استخراج نظريات إنسانية من القرآن

2 👁

هل يمكن للمسلم أن يستخرج من القرآن نظريات تربوية أو نفسية أو في تنمية الذات، وكيف يكون منهجه؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٩‏/٦‏/٢٠١٩

كيفية تدبر القرآن

4 👁

كيف يستطيع المسلم التدبر والقراءة من خلال آيات الله تعالى؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

العبارات المنقولة في القرآن

2 👁

إلى أي مدى يمكن الاستفادة تشريعياً وأخلاقياً من العبارات التي ينقلها القرآن على ألسنة البشر كالعزيز وامرأته وغيرهما؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٨‏/٦‏/٢٠١٧

الدعوة بالتأمل العقلي

2 👁

في دعوة شخص إلى الإسلام وتزكية النفس، هل يمكن دعوته للتأمل في الكون بالمنطق والعقل دون ذكر آية قرآنية لأنه لا يؤمن بالقرآن؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

كيفية تدبر القرآن

1 👁

كيف أستطيع التدبر والقراءة من خلال آيات الله تعالى؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١‏/٤‏/٢٠١٨