⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، هناك أسباب، والأسباب تعود إلى شِقَّي هذه المنظومة: التربية والتعليم.
لنأخذ الأسباب المتعلقة بالتربية أولاً: تنصرف أذهان كثير من الناس أن المقصود بالتربية ما يتعلق ببعض الآداب والأخلاق والقيم، والحقيقة ينوطون هذا بالمدرسة، مع أن المدرسة تستقبل الطلاب عندنا في سن السادسة، وفي أغلب بلدان العالم؛ أي أن الصياغة قد ابتدأت قبل ذلك، ووصل إلى المدرسة في سن قد بدأ يأخذ مجموعة من القيم.
ولا يخفى –يعني لا يمكن أن نقلل من أهمية دور المدرسة في صياغة هذه القيم والآداب– لكن المقصود بالتربية لا يقتصر على هذا المعنى مع أهميته، وإنما يمتد لما يتعلق بأثر ما كنا نتحدث عنه من الطموح: أن نغرس فيه الطموح، أن نُبصِّره أنه يمكن أن يكون شريكًا في حفظ هوية مجتمعه، حسبما تطيق مدارك عقله، أن نبصِّره أنه غير منبتٍّ عن جذوره؛ فإن انقطع عن جذوره فإنه كالشجرة انقطعت عن جذورها، فإنها تذبل ثم تموت.
ولذلك فلابد له من أن يرتبط بذاكرته التاريخية؛ هذا الوعي التاريخي يراد به حفظ هذه الجذور التي سيبني عليها دوحة حضارته في نهضته وفي واقعه وفي مستقبله القادم.
وهذه الجذور تشمل اللغة، وتشمل الدين في صدارة ذلك، وتشمل الأخلاق، وتشمل التاريخ، والمكوِّن الثقافي والمعرفي لهذا الوطن الذي ينتسب إليه، كما أن التربية تشمل أيضًا أن نحصِّنه من الشبهات التي تُثار ضد مجتمعه وضد دينه وضد وطنه، وألا يكون ضحيةً لهذه الشبهات والأقاويل التي يثيرها من له مطامع في مجتمعه ووطنه؛ ذلك أيضًا حسب قدراته.
وهذا يعني أن يرتبط بوطنه، وأن يتعرف على وطنه، وأن يحمل في نفسه الشعور ببني وطنه، وهو شعور تراحم وتعاطف وإخاء وتآخٍ وتوادٍّ؛ لابد أن يُغرس ذلك فيه، وأن يُبصَّر أيضًا في هذا الغرس التربوي الذي نتحدث عنه؛ يعني فعلاً لا يقتصر الأمر على ما يفهمه كثير من الناس من أنه ينصرف إلى آداب وقيم يمكن أن يأخذها، بل المسألة أعمق من ذلك، ولا يمكن لنا أن نحقق النتائج في شِق التعليم إن لم نضبط ما يتعلق بالتربية، حتى ما يتعلق بعلاقته بالآخر في محيط إنساني عام فيه تعددية ثقافية ودينية وعرقية، وإلى آخر ما فيه من تنوع؛ وكيف يفهم ذلك، يتعامل معه، وكيف يحفظ خصوصيته مع انتفاعه من تعامله مع الآخر؛ كل هذا لابد أن يكون داخلًا في منظومة التربية.
أما في شِق التعليم: ليست المسألة أن يتقن معلومات، أن يحفظ معلومات، أن تُحشى الأدمغة بالمعلومات –نظرية كانت أو علمية تطبيقية– وإنما ما نحتاج إليه: كيف يفكر؟ كيف يكون قادرًا على حل المشكلات وتخطي الصعاب؟ ما هو المنهج العلمي الصحيح الذي يسير عليه في كل فرع من فروع العلم وفنٍّ من فنون المعرفة؟
إذًا نحن بحاجة إلى ما يُعرف بالكيفيات: كيف يكون سببًا لحفظ اقتصاد وطنه؟ كيف يكون سببًا لحفظ أمن مجتمعه؟ كيف يمكن له أن يتغلب على الأزمات والمشكلات: الطبيعية، الصحية، الاجتماعية، العلمية، إلى آخر ما يمكن أن تتعرض له المجتمعات؟
أما أن يحفظ معلومات، ثم يؤدي بها الامتحان، ثم ينقطع بعد ذلك حينما ينتهي من المرحلة الجامعية، فهذا أشبه بجهاز الحاسوب الذي يُغذَّى بالمعلومات، وليته يكون قادرًا على إحضارها حينما تُستدعى، بل يكاد ينساها حينما يتخرج من دراسته التي يصل إليها.
ولذلك فإن التعليم يعطي هذه المكنة، يزود المتعلم هذه المكنة التي تعينه على أن يفكر، التي تعينه على أن يكون قادرًا على حل المشكلات بمختلف أنواعها في التخصص الذي يكون فيه، كما تعينه على أن يكون سببًا لحفظ هوية مجتمعه، والحلول حينما يمر هذا المجتمع بأزمة من الأزمات، أو حينما يتطلع هذا المجتمع إلى بلوغ غاية فيها شرف ومجد، وما يمكن أن يفاخر به غيره من الأمم والشعوب.