⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا: لم يبتعد الناس عن القرآن الكريم، بل كانوا متمسكين، شديدي التمسك بكتاب الله عز وجل، ولم يحصل بينهم أيضًا، ولم يحصل فيهم أنهم خلطوا بين آيات الكتاب العزيز وبين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصحيحة الثابتة؛ فدعوى الدفاع أو دعوى نفي تدوين السنة بأن المقصود إنما كان إبعاد الناس عن كتاب الله عز وجل دعوى مردودة غير صحيحة أبدًا، لا تستند إلى أي دليل، لا من واقع، ولا من تاريخ، ولا من عقلٍ علمي.
وأما التدوين نفسه فالصحيح أنه بدأ في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ نهى عليه الصلاة والسلام بعض أصحابه في مناسبات عن أن يكتبوا عنه غير القرآن الكريم، ونحن نعلم أن كتابة القرآن الكريم كانت بإشرافه عليه الصلاة والسلام، هو الذي اختار كتبة الوحي وهو الذي كان يشرف عليهم، وما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا والقرآن مكتوب، لكن جماهير المسلمين في حياته عليه الصلاة والسلام وبعد مماته كانوا يحفظون القرآن الكريم عن ظهر قلب، ويروونه لأجيالهم جيلًا بعد جيل.
وكذا الحال بالنسبة لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام؛ فإنه –مع ثبوت… وهذه مسألة يجب أن ننتبه لها– أن التدوين ابتدأ في مجموعات منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام، ثم دوَّن طائفة من أصحابه أيضًا من بعد وفاته، وهذا ثابت عن الإمام علي بن أبي طالب، وثابت عن أبي هريرة، وثابت عن بعض كبار الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وعن ابن عباس أنهم كانوا يدونون، وأنهم لديهم ما كانوا قد دوَّنوا فيه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
لكننا نعلم أن رواية العرب لآدابهم ولعلومهم إنما كانت شفاهًا، عن ظهر قلب؛ فأين هي هذه المجاميع التي دوِّنت فيها دواوين شعرهم وآدابهم نثرًا ونظمًا؟ لا وجود لها إلا بعد قرونٍ متطاولة؛ فلِمَ لا يشكك هؤلاء في الأدب العربي، فيما كان منه من العهد الجاهلي إلى أن جاء التأليف، تأليف هذه الدواوين وجمعها وكتابتها على النحو الذي نُقلت منه فيما بعد؟
أيضًا هناك من اشتغل بالكتابة في مرحلة مبكرة، بدايات القرن الثاني الهجري، كالإمام الربيع بن حبيب، ومبتدأ تأليفه في أواخر القرن الأول الهجري وبدايات القرن الثاني الهجري، إذ أغلب روايات "المسند" تنتسب إلى فترة زمنية تعود إلى ما قبل 120 هجرية، إذا توسعنا قليلًا إلى ما قبل 130 هجرية، والإمام الربيع بن حبيب ينقل عن مدونات للإمام جابر بن زيد الذي هو أعلى منه مرتبة، وأقرب إلى عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه التقى سبعين بدريًّا، فكان ممن التقى بهم سبعين بدريًّا وأخذ عنهم العلم، ومعروف مشهور أن الإمام جابر بن زيد دوَّن كتبًا.
أما أن يقال: أين ما كتبه؟ وأين هذه المخطوطات؟ مسألة أخرى، لكن أن يثبت المؤرخون وعلماء الحديث أن هناك مدونات تنتسب إلى وقت مبكر، وكذا الحال بالنسبة إلى الربيع بن صبيح وجملة من المسانيد التي كتبت في وقت مبكر، فهناك ما هو مكتوب مدوَّن في وقت مبكر.
على أن الرواة هؤلاء الذين ذكرهم المعترض صرَّحوا أنهم تتبعوا هذه الروايات من رواتها، فأخذوها منهم شفاهًا، راويًا عن راوي عن راوي عن راوي إلى أن اتصل سندها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا معنى الرواية؛ فهم يتتبعون هذه الأحاديث رواية رواية، راويًا راويًا، حتى يُسنِدوها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثبوت شروطهم في سلسلة السند الذي وضعوه، كلٌّ بحسب شروطه؛ فللإمام مسلم شروط، ولغيرهم من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد شروط.
فكل راوٍ منهم، كل جامع، يضع شروطًا يفحص بها الروايات التي يتلقاها، يفحص بها الرواة جرحًا وتعديلًا، ويضبط بها السند سماعًا وكتابةً وتلقِّيًا، وبلغوا في ذلك دقة متناهية؛ ولذلك فإن هذا العلم هو من خصائص العلوم في هذه الأمة، ولذلك فهذه الدعوى لا أساس لها؛ هذا إجمال ما يُرَدُّ به على هذا الاعتراض، ويمكن أن نُفصِّل في وقت آخر إن شاء الله تعالى بحول الله.