⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن شهر رمضان المبارك محطة لمحاسبة النفس، والوقوف معها في تقلباتها وأحوالها ورغباتها ونزاعاتها ونزغاتها، ليردها الإنسان إلى جادة الحق.
فالشهْرُ الكريم كان فيه حدث تاريخي عظيم امتن الله سبحانه وتعالى به، بما يجب علينا تجاهه، عندما قال عز من قائل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]. وأيّ حدث أعظم من هذا الحدث، من إنزال القرآن لأجل أن يصل الإنسان المخلوق بخالقه تبارك وتعالى، ولأجل أن يصل حياته الدنيا بحياته الأخرى، ولأجل أن يصل مسيره بمصيره، ولأجل أن يصل حياته في هذا العالم، عالم الملك، بما في عالم الملكوت، حتى يكون هذا الإنسان متجاوبًا مع نظام الكون كله، ماديِّه وروحيِّه، من أجل الصلة بالله.
ففي كل شيء آية من آيات الله تعالى، وكل ذرة من ذرات الوجود هي من مخلوقات الله تعالى التي تسبّح بحمده وتقدِّس له، وتسجد خاضعة للجلال، فالإنسان عليه أن يتفاعل مع هذه المنظومة الكونية، ما يراه وما لا يراه، ما يُبصر منه وما لا يُبصر رأسًا، وبهذا يكون الإنسان مدركًا لما في هذا القرآن الكريم من مرامٍ عظيمة؛ فإن القرآن جاء ليحل ألغاز هذه الحياة، ويُبصِّر الإنسان بمبدئه ومصيره، وما يجب عليه في هذه الحياة القصيرة ما بين المبدأ والمصير.
على أي حال، هذا القرآن أُنزل ليُطبَّق، وتطبيقه ليس بالأمر العسير على من يسره الله تعالى له، وليس بالأمر اليسير بالنسبة إلى من خذله الله تعالى وأبعده عن مقامات التوفيق. ولكن مع ذلك جعل الله سبحانه وتعالى هناك وسائل تعين الإنسان على ذلك، ومن أهم وسائل ذلك قهر شهوات النفس ورغباتها، وتسخير هذه النفس لله تعالى، وقد جعل الله تعالى في أداء هذه العبادة المفروضة في هذا الشهر عونًا على قهر شهوات النفس، وعلى تذليل النفس وتسخيرها لتطبيق أوامر الله تعالى واتباع هدى القرآن.
فالصيام نور، والقرآن نور، فإذا انتشع في القلب نور عظيم بدّد ظلمات الطبع، وردّ الإنسان إلى الله سبحانه. نجد الاقتران بين الامتنان بإنزال القرآن في شهر رمضان وبين مشروعية صيام هذا الشهر في قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾، ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فالإنسان مطالب بأن يصوم هذا الشهر لأجل تحقيق هذه المرامي العظيمة التي جاء بها القرآن الكريم، والله تعالى المستعان.