مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

المقصد الروحي للصيام

كيف يحقق المسلم من خلال الصيام المقصد الروحي والأخلاقي، مع أن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. أما بعد؛ فإن فريضة الصيام اختصها الله تبارك وتعالى بفضائل ولطائف، وأودع فيها من الأسرار والحكم ما لا يوجد في غيرها، ولذلك قال: «الصوم لي وأنا أجزي به»، وربنا تبارك وتعالى بين عظيم منزلة الصيام حينما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. اختصَّه، أو خصَّه، بأفضل الشهور وأعظم المناسبات، وهو أنه الشهر الذي حصل فيه أعظم حدث في تاريخ البعثة المحمدية والرسالة الخاتمة، وهي إنزال القرآن الكريم، ولذلك لما عرَّف به قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. فكيفما نظرنا إلى شهر الصيام، وإلى هذه الفريضة، فإننا سنجد أنها تورث هذا العبد تزكية لا تحققها له سبيل أخرى؛ لأن الصيام عبادة تركية، فهو كفٌّ وامتناع، إمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، فهو عبادة تركية، أما سائر الشعائر التعبدية فهي أعمال وأفعال تؤدَّى، يمكن أن تكون أعمالًا بدنية، ويمكن أن تكون أعمالًا مالية، ويمكن أن تكون بدنية مالية، وهكذا تتفاوت هذه العبادات تزكيةً لنفس المكلَّف وارتقاءً وتهذيبًا بطبعه وسموًّا به لكي يكون من عباد الله الصالحين. أما الصيام فلأنه عبادة تركية، يحمل معنى الكف والامتناع، فإن رياضة النفس فيها أبلغ؛ نعم، لأنه يمنع نفسه عمّا هو في أصله مباح في هذا الوقت المحدد، لا لشيء إلا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، فالمكلَّف يفعل ذلك ابتغاء رضوان الله تبارك وتعالى، إيمانًا وطاعةً وانقيادًا، واحتسابًا للأجر منه جل وعلا وحده، فحينما يوجِّه قصده لله تبارك وتعالى فإنه يتمكَّن بفريضة الصيام من أن يأخذ بهذه النفس إلى ما فيه رضى الله تبارك وتعالى، بعيدًا عن أهوائه وشهواته ورغباته، بعيدًا عن زخارف الحياة الدنيا وما يمكن أن يصرفه عن طاعة الله تبارك وتعالى؛ ليثبت أنه قادر على أن يأخذ بها إلى الصراط المستقيم، وأن يترك عاداتٍ فيها وجملةً من المباحات كان يظن أنه لا يستطيع أن يتخلى عنها، فيتسامى فوق ذلك كله، فيمسك نفسه عن شهواتها، يمسك نظرَه، بصرَه، ولسانَه ويدَه عن كل ما يسخط الله تبارك وتعالى. هذا من حيث ماهية الصيام، أما من حيث الظرف الزمني، فإنه سبيلٌ أخرى تحقق للصائم ما لا يخفى من التزكية والتهذيب والارتقاء لهذه النفس؛ ذلك أن شهر رمضان هو شهر الرحمة والمغفرة، فهو شهر أنزل الله تبارك وتعالى فيه القرآن، وهذا أعظم حدث، إلى درجة أنه لما عرَّفنا بشهر الصيام ما عرَّفنا إلا بهذا الوصف فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. ولذلك فإن الصائم يحيا بالقرآن الكريم؛ لأن المسلم في حقيقته إنما روحه القرآن الكريم، والقرآن روح هذه الحياة، ولذلك فإن اجتهاد المسلم في الحياة مع القرآن وبالقرآن حفظًا وتلاوةً وتدبُّرًا وسماعًا يزداد في شهر رمضان، ومن لم يَزِده رمضان إقبالًا على القرآن فإنه محروم، لا تتحقق له معاني الصيام من التزكية والتهذيب وتقوى الله تبارك وتعالى. ومعايشته لكتاب الله تبارك وتعالى في رمضان آناء الليل وأطراف النهار تورثه مزيدًا من القرب من ربِّه جل وعلا، تُنعِش له نفسه، وتجدِّد له إيمانه، وتوقظ فيه مراقبته لله تبارك وتعالى، يتبصَّر بحقائق هذه الحياة والمنقلب الذي سيؤول إليه، وتبيِّن له حقوق نفسه عليه، تبيِّن له قبل ذلك حقوق الله تبارك وتعالى عليه، ثم حقوق نفسه، ثم حقوق الناس عليه بمختلف مراتبهم. وأثر ذلك على نفسه –أي الآثار المعنوية– إنما هو ثِقَلٌ لهذه النفس، نعم، إزالة للشوائب التي تراكمت طيلة العام، فإذا به في رمضان حينما يقف في محرابه قيامًا للَّيل أو تلاوةً لكتاب الله عز وجل في أي ساعة من ليل أو نهار يزيل عن نفسه هذا الغبار المتراكم، ويُصفِّي قلبه ونفسه، ويشرح صدره لهدايةٍ ومعنى، ليستمدَّ منه ما يعينه في حياته كلها، ليراجع به ماضيه، وليتهيَّأ به لمستقبله وللقادمين. أيضًا مما أودعها الله تبارك وتعالى في شهر الصيام: أن هذا الظرف الزماني بما يتلبس به العبد من فريضة الصيام ومن تلاوة كتاب الله تبارك وتعالى، فإن الله تبارك وتعالى قد زاده فضلًا آخر، وهو إجابة الدعاء؛ فإن إجابة الدعاء في رمضان أقرب منها في غير رمضان، وهذا ما دل عليه سياق الآيات التي ورد فيها بيان أحكام الصيام في كتاب الله عز وجل، من قوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. فأداء تلبُّس المكلَّف بالتضرع والتبتل والدعاء لله تبارك وتعالى تورثه طمأنينة نفس، وتذلُّلًا لله تبارك وتعالى وحده، وإدراكًا لحقيقة أن الأسباب كلها بيد الله عز وجل، وأن عليه أن يأخذ بهذه الأسباب مع توكُّله على الله تبارك وتعالى حق التوكل، وأن يلجأ إليه ليكشف عنه كُرُباته، ولِيَسُوس أموره، ويفرِّج عنه ضيقه، ويفرِّج عنه همومه وما يمر به، وليستعين به؛ فتتدرَّب نفسه أيضًا على ذلك، ويألف ذكر الله تبارك وتعالى والضراعة إليه بالدعاء في كل وقت وحين من رمضان، وليكون ذلك مسلكًا له في حياته. فبمجموع هذه العبادات، مع ما يرجوه أيضًا الصائم من تحرِّي ليلة القدر في رمضان، لا سيما في العشر الأواخر من رمضان، فإن هذا يدربه على أن يزداد إقبالًا، وأن يزداد عملًا وطاعة، وأن يكون في كل يوم يمرُّ منه من رمضان محاسبًا لنفسه، راجيًا أن يكون غدُه في صيامه وقيامه وعبادته وما يأتيه خيرًا من أمسه الذي انقضى، لعلَّ الله تبارك وتعالى أن يوفِّقه لليلة القدر التي أودع ربنا جل وعلا فيها أيضًا من الفيوضات والرحمات والبركات ما لا مزيد عليه، كما قال في كتابه الكريم: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، وقال: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. فكل هذه تحقق للمسلم غايته ممَّا تحتاج إليه روحه، وممَّا يُصفِّي نفسه ويجلو عنها أدرانَه، ويزكو به خلقًا وعقيدةً وإيمانًا وعبادةً لله تبارك وتعالى، ولا شيء يعدل بلوغ مثل هذه المطالب والغايات. نسأل الله تبارك وتعالى أن يكتبها لنا جميعًا.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ١‏/٣‏/٢٠٢٥👁 3 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - 1 رمضان 1446 هـ

مسائل متنوعةمسائل متنوعة في الصوم

✦ فتاوى مشابهة

أبعاد الصيام الروحية والصحية

0 👁

هل يمكن اعتبار الصيام وسيلة روحية فقط أم أن هناك أبعاداً صحية واجتماعية يمكن استحضارها في نية الصيام؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٢٥‏/٢‏/٢٠٢٥

هدف تكرار الصيام

2 👁

ما هدف الصيام وتكراره كل عام؛ أهو تدريب روحي أم فريضة غير معقولة المعنى؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١٨‏/٦‏/٢٠١٥

تنمية الشعور الروحي

2 👁

كيف ينمي المسلم شعوره الروحي ليستغل الفضائل الأخلاقية والدينية في رمضان مع كثرة العروض الدنيوية والإعلامية الجاذبة للنفس؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١٧‏/٥‏/٢٠١٨

ربط الصيام بالحياة اليومية

2 👁

كيف يمكن ربط عبادة الصيام ببرامج الحياة اليومية للمسلم وآثاره في تنظيم حياته؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٣‏/٣‏/٢٠٢٣

مقاصد آيات الصيام

2 👁

كيف يحقق الصوم مقاصد قوله تعالى: «لعلكم تتقون»، «لعلكم تشكرون»، «لعلهم يرشدون»، وما الحكمة في الجمع بينها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٢‏/٣‏/٢٠٢٤

معنى التقوى وعلاقتها بالصوم

2 👁

هل ربط الصيام بالتقوى يعني أن الصيام هو عين التقوى أم أنه وسيلة لتحصيل ثمرة أخرى هي التقوى؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢٧‏/٥‏/٢٠١٧