⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده بما يفرضه عليهم وبما ينهاهم عنه، سواء أدركوا الحكمة من ذلك أو لم يدركوها، فما عليهم إلا الطاعة والانقياد، وعلى المسلم دائما أن يكون واثقا بأمر ربه سبحانه، بحيث يعتقد اعتقادا جازما أن الله سبحانه لم يكن ليأمر إلا بما فيه مصلحته، ولم يكن لينهي إلا عما فيه مضرته. فالإنسان محكوم بحكم الله تعالى في فعله وفي تركه، وفي أخذه وفي عطائه، وفي قبوله وفي رفضه في جميع أحواله، لأن الحكم لله، كما يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف: 40].
ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى فرض على عباده صنوفا من العبادات، هذه العبادات منها ما يكون معقول المعنى بحيث تدرك الحكمة من تشريعه، ومنه ما يكون غير معقول المعنى. والصيام هو عبادة من هذه العبادات، ولكن مع كون الصيام فُرض على نحو معين، وفي ميقات معين، وبطريقة معينة، إلا أن الآيات القرآنية تشير إلى حكمة مشروعية هذه العبادة المقدسة، كما تدل الآيات القرآنية على أن هذا الصيام كان مفروضا على الأمم السابقة أو على بعض الأمم السابقة، فإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
وبالنسبة إلى هذه الأمة فإن الله سبحانه وتعالى عهد إليها أن تتحمل مسؤولية الحفاظ على القرآن الكريم وتعاليمه، والسير على نهجه. والقرآن الكريم يشير إلى الحكمة البالغة من مشروعية الصيام، صيام شهر رمضان الذي جعله الله تعالى ميقاتا لهذا الحدث التاريخي العظيم، حدث نزول القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ليكون هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. فإن القرآن الكريم يشير إلى الربط بين القيام بهذه العبادة وبين القيام بالاطّلاع بتبعات القرآن الكريم، مسؤوليات القرآن الكريم، والصدع بهذا القرآن في الناس.
الله سبحانه وتعالى يمتن على عباده بإنزال القرآن في هذا الشهر الكريم عندما يقول: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾، ثم يتبع هذا الامتنان الأمر بصيام هذا الشهر الكريم، بحيث يفرض على عباده أن يصوموا هذا الشهر، ويكون ذلك بالربط بالفاء التي تقتضي ربط ما بعدها بما قبلها، إذ يقول سبحانه وتعالى على أثر ذلك: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وفي هذا ما يوحي بأن الصيام من حكمه البالغة أنه يعين على الاضطلاع بأمانة القرآن، والقيام بترويض النفوس على حمل هذه الأمانة، والقيام بتهذيب الأخلاق، والقيام بتعبيد هذه النفوس على كل خير، وإبعادها عن كل شر.
فنحن نرى أن الصيام يبيِّن الله تعالى أيضا حكما من مشروعيته بيانا واضحا عندما يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، المفسرون ذهبوا مذاهب متعددة في «لعل» هذه، بلغت خمسة مذاهب، ولكن مع ذلك نحن الذي نميل إليه ونطمئن إليه ونستمسك به هو أن «لعل» هنا بمعنى «كي»، أو بمعنى «لام» التعليل، يفيد مفاد لام التعليل، أي: «لتتقوا»، أو «كي تتقوا»، أو «لكي تتقوا»، فإن مجيء «لعل» بمعنى «كي» مذهب معروف عند جماعة من النحاة، وقد استُشهد له بقول الشاعر:
وَقُلْتُم لَنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا
نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ
فَلَمَّا كَفَفْنَا الحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ
كَقَوْلِ سَرَابٍ فِي المَلَاءِ مُتَأَلِّقِ
فقوله: «لعلنا نكف» بمعنى: «لنَكُفَّ»، وليست «لعل» هنا للرجاء أو الترجي فحسب، ولكن بمعنى «لنَكُفَّ»، بدليل قوله: «ووثقتم لنا كل موثق». فإذاً «لعل» هنا تفيد التعليل. ولما كانت تفيد التعليل فإن ما تُصُوِّر من إشكال في مجيئها في كلام الله، والله تعالى هو الذي يعلم الخفايا كما يعلم الظواهر، ويعلم ما يستقبل كما يعلم ما مضى، ويعلم ما في النفوس كما يعلم ما تُباشره الأعضاء، يندَرئ هذا الإشكال؛ لأن الله تعالى إنما أراد بها هنا التعليل، بيان الحكمة من مشروعية الصيام.
فالصيام شُرع لأجل غرس التقوى، تقوى الله سبحانه وتعالى في النفوس، لأن الصيام إنما هو مدرسة بكل معنى: مدرسة عملية، ومدرسة أخلاقية، يتعود الإنسان في خلال أدائه لهذا الصيام كلَّ خير، ويبتعد عن كل شر. فالله سبحانه وتعالى جعل الصيام وسيلةً للإنسان من أجل قهر شهوات نفسه، وفيه تقوية لإرادته.
وبجانب ذلك أيضا الصيام الصحيح المقبول عند الله تعالى، الصيام الذي تكف معه النفس عن كل شر، وتُهْذَمُ فيه النفس عن كل شهوات، وتُردَع فيه عن كل ما يسوء؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث الإمام الربيع من طريق ابن عباس رضي الله عنهما: «ولا صومَ إلا بالكفِّ عن محارمِ الله». وفي البخاري وغيره من طريق أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يَدَعْ قولَ الزورِ والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه». وهذا الكلام لا يخرج إلا مخرج التهديد، مخرج التشديد للذين يقضون سحابة نهارهم وهم لا يبالون بمحارم الله سبحانه قولا وفعلا، مع كونهم يمتنعون عن الأكل والشرب، فإن هؤلاء ليس صيامهم من الصيام المطلوب في شيء، وإنما صيامهم مجرد الجوع ومجرد الظمأ؛ إذ لا بد من كف النفس عن جميع الشر، ولا بد من كونها تعوَّد على كل خير.
وليس ذلك فحسب، بل بجانب هذا أيضا الصيام يعود الإنسان على أن يتعالى على رغبات النفس في الانتقام من الغير، وفي التشفي ممن أساء، وممن آذى؛ فإن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الصوم جُنَّة، فإذا كان يومُ صوم أحدِكم فلا يرفُثْ ولا يجهَلْ، فإن أحدٌ سابَّه أو قاتلَه فليقُلْ: إني صائم». يعني هذه قمة الأخلاق، يعود النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمة على هذه الأخلاق من خلال هذه الفريضة المقدسة، بحيث يحمل الإنسان نفسه على أن تقهر إرادتها في الانتقام من الغير، فلو تعرَّضت لأذىً، سواء كان فعلا أو قولا، إنما ما يصدر منها هو هذا القول: «إني صائم»، ليكف الإنسان بهذا نفسه عن التشفي بالغير والانتقام منه، وليذكِّر الغيرَ أيضا –إن كان من المسلمين– بأنه في عبادة مقدسة، قدسيَّتُها تتنافى مع ما أقدم عليه.
بهذا يقوى الإنسان على ضبط حياته، وإذا اعتاد هذا في عامه شهرا كاملا، فإنه يسهل عليه ما اعتاده في هذا الشهر في بقية الشهور، فيتمكن من قهر شهواته، ومن الاستعلاء على هذه الرغبات والنزغات والنزعات، حتى تكون حياته كلها هدوءا واستقرارا.
والله تعالى أعلم.