⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا، يعني ليست التدرج هنا في التبين أو في الكشف عن الحكم الشرعي، وإنما في جعل هذا الحكم الشرعي واقعًا معمولًا به في حياة الناس، إذن فهنا لا بد، لا ريب أنه لا بد من وضع هذا الواقع الذي يكون عليه الناس في حسبان الفقيه المجتهد عند إرادة التنفيذ، وهذا لا يعني إقرار ما حرم الله تبارك وتعالى.
لكن لنأخذ على ذلك بعض الأمثلة: هناك كثير من الأعراف والعادات التي هي في دائرة المباحات، أي أنها لا تدخل – بحسب التصنيف الفقهي – في صنف العبادات من حيث التعريف الاصطلاحي للعبادات، وإلا فإن كل ما ينويه المرء نية خالصة جائزة موافقة لشرع الله تبارك وتعالى ولمقاصد هذه الشريعة فهو داخل فيما يؤجر عليه هذا الإنسان، ولذلك فإنه يدخل في المفهوم العام لعبادة الله تبارك وتعالى، فكل حياة هذا الإنسان إنما هي لله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولذلك قال: «تبسمك في وجه أخيك صدقة، إماطة الأذى عن الطريق صدقة».
وإنما نتحدث عن المعنى الاصطلاحي للعبادة، فهناك عادات هي من أعراف الناس في لباسهم، في هيئاتهم، في ما هو مألوف من أعراف المجتمعات والشعوب والقبائل، هذه فيها فسحة.
فالذي حصل أن طائفة من الفقهاء تركوا ما يحتاج إليه الناس من الأحكام الشرعية اللازمة لتوجيه الحياة ولتزكية النفوس ولإرساء نظام عام يقوم على القسط، إلى الاشتغال ببعض الأعراف والعادات المستقرة والتي كانت موجودة، أو كانت نظائرها وأشباها موجودة، فأقرها الأئمة الكبار، فإذا بهؤلاء الفقهاء اليوم يدخلونها في الدين، ويبينون لها أحكامًا فقهية من عند أنفسهم، يضيقون بها على الناس، ويحملونهم على ما فيه قدر من العنت والمشقة.
فهذا يتكلم – على سبيل المثال – في أنواع الغسالات وأنها لا تحقق الطهارة المقصودة شرعًا بعلل يراها هو، لكنها في الحقيقة بعيدة من أن تكون مرتبطة بالأصول الشرعية التي يأخذ منها الفقيه أو يستنبط منها الفقيه الأحكام الشرعية، وهذا يتحدث عن طريقة أكل الناس في ما يدفعون قيمته ولا يعرفون قدره في الموائد المفتوحة، بحيث تكون قيمة الوجبة معلومة سلفًا بقطع النظر عن المقدار الذي يأكله الراغب في شراء ذلك الطعام أو في الأكل من ذلك المطعم، فهذا ترك كل أبواب الفقه الإسلامي وما يحتاج إليه الناس اليوم، وأفتى في هذا النوع من أعراف الناس في طعامهم.
وهذه دائرة تطول، وفي ظني أن كثيرًا من جماهير المسلمين اطلعوا على قدر لا بأس به من أمثال هذه الفتاوى.