مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

آيات الاستواء واليمين

هل تثبت آيات مثل (الرحمن على العرش استوى) و(السماوات مطويات بيمينه) صفات لله تعالى؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذا السؤال سؤال مهم يشكر عليه السائل، ونقول في الجواب عليه مستعينين بالله: إن هذه الآيات ونحوها، حتى لو قيل بامرارها على ظاهرها، وبعدم تأويلها، وبعدم تفسيرها بما يليق مع عظمة الله، فإنها لا تثبت بها صفات لله عز وجل، وإنما تثبت بها أحوال أو جوارح لله جل وعلا. لأن الصفة أمر معنوي لا يُدرك، وإنما يُستدل عليه من خلال الآثار الدالة عليه. ولتقريب الصورة للمستمعين نقول – نضرب مثالًا ولله المثل الأعلى – عندما نقول: فلان عالم، فهل نرى علم ذلك العالم؟ علمه لا يُرى ولا يمكن أن يُوصل إليه بأي حاسة من الحواس وبأي وسيلة من الوسائل، ولكن يُستدل عليه من خلال المعلومات التي عنده يلقيها أو يكتبها فيُستدل بها على صفة العلم لهذا الرجل. وهكذا عندما نقول: فلان حي، فإن حياة الإنسان لا تُدرك ولا تُتصور، وإنما هناك علامات دالة على الحياة من حركة وتنفس وكلام ونظر ونحو ذلك، وقل مثل ذلك في أي صفة يتصف بها أي أحد كالشجاعة، فالشجاعة لا تُرى ولا يُعرف كنهها، ولكن يُستدل عليها من خلال الآثار الدالة عليها. وصفات الله عز وجل هي أمر معنوي، لا تُدرك ذواته وحقائقه، وإنما يُستدل عليه من خلال الآثار الدالة عليه، فعندما نقول: الله عليم؛ نحن لا ندرك علم الله ولا نتصور ذات هذا العلم، ولكن لما كان الله تعالى يعلم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء من المعلومات دل ذلك على كونه عالمًا. وعندما نقول: الله حي، فحياة الله لا تُدرك حقيقتها، وإنما عندما نرى آثار هذه الحياة من تدبيره للكون، ورعايته للعباد، وإيصاله للرزق دل ذلك على حياته. وقل مثل ذلك في صفة القدرة والإرادة ونحوها من الصفات الذاتية لله عز وجل؛ فهي حقائق ومعانٍ، لا ذوات ولا حركات ولا أحوال. ولو طبقنا هذه القاعدة التي قررناها الآن على الآيتين المذكورتين: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فإن هذه لا تثبت صفة لله، لا تثبت له علمًا، ولا تثبت له قدرة بذاتها، وإنما تثبت له القدرة سبحانه من خلال استوائه على العرش بالمعنى الصحيح كما سيأتي، وتثبت له الحياة؛ لأنها أثر للحياة، هي ليست صفة الحياة (الرحمن العرش استوى)، لكن استواؤه على العرش أثر من آثار الحياة، ومن آثار القدرة، ومن آثار الحكمة وهكذا. وعندما نقول: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، لو قيل بأن المقصود باليمين يدٌ يمنى لله عز وجل – كما يقول المجسِّمة – فهي لا تثبت صفة، وإنما تثبت جارحة، تثبت جارحة لله هي اليد، وهي على هذا أثر من آثار الحياة أو من آثار القدرة. فدل هذا على أن آيات المتشابهة التي توهم تشبيه الله تعالى بخلقه، أو أن له جارحة، أو أنه ينتقل، أو ينزل، أو يستقر، لا تثبت شيئًا من الصفات لله، وإنما تثبت أحوالًا أو جوارح. وللأسف فالمجسِّمة يخطئون في إدخال هذه الآيات في آيات الصفات، ويشنِّعون على من خالفهم بأنه ينكر الصفات، أو يعطل الصفات، وفي الحقيقة من يؤوِّل هذه الآيات لا ينكر صفة لله ولا يعطل صفة لله، وإنما – على تقدير صحة كلامهم – إنما يعطل جارحة من جوارح، أو يعطل حالًا أو حركة من أحوال الله عز وجل، ولا ينكر صفة بذلك. وإنما أنبِّه بهذا؛ لأنه يكثر الغلط في هذا الباب، ويقولون: نمرِّر آيات الصفات على ظاهرها، نقول لهم: أصلًا هذه ليست من آيات الصفات. والحق في هذه الآيات الكريمة ونحوها أن تُحمل وفق الآيات المحكمات، فالآيات المحكمات هي أمُّ الكتاب، ويجب أن يُرَدَّ المتشابه إليها، وأن يُفهم في ضوئها؛ فالله تعالى وصف نفسه بأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، وأنه ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]، وأنه ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]. وما دام حاله كذلك جل وعلا، فلا يجوز أن يُنسب لذاته شيء مما يقتضي المشابهة للمخلوقات. فلو حُمِل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ على الاستقرار الحقيقي، فهذا يقتضي ملامسة الرحمن للعرش، ويقتضي الجلوس، ويقتضي وجود المكان لله جل وعلا، ويقتضي غير ذلك مما هو عين التشبيه لله تعالى بخلقه. وهكذا لو قيل عنه سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، لاقتضى ذلك أن يكون لله تعالى يد جارحة، وأنها تقع في جهة اليمين منه سبحانه وتعالى، وهذا يقتضي التبعض وإثبات الجارحة، وما يتبع إثبات جارحة اليد من القبض والبسط واللمس والتنمية والإعطاء وغير ذلك، وهذا أيضًا هو عين التشبيه لله عز وجل بالمخلوقات. وقل مثل ذلك في كل الآيات التي تثبت جارحة أو حالًا لله عز وجل، ناهيك عما يلزم ذلك من التناقض؛ فالله عز وجل يقول: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]، فلو قيل إن هذه تثبت صفة لله لاقتضى ذلك أن تكون يد الله مبسوطة، بينما آية أخرى تثبت القبض لله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا﴾ [فاطر: 41]، فإمساكه للسماوات والأرض لو أُجري على ظاهره يناقض البسط هناك. وقل مثل ذلك في: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ونقول: ﴿وَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115]، ونقول: إن الله تعالى يتنزَّل إلى السماء الدنيا في كل ليلة في الثلث الأخير من الليل، مع أن الثلث الأخير من الليل لا يغادر الكرة الأرضية، وإنما يلف بها، فكيف يكون استقراره على العرش ونزوله؟ فهو في نزول دائم، فهل هو مستقر أو في نزول دائم؟! والعجيب أنهم يقولون: إن الله عز وجل في يوم عرفة ينزل نزولًا حقيقيًّا بذاته على الواقفين في ذلك الوقت الذي يكون فيه الواقفون على عرفة، هناك ثلث أخير في جزء من الأرض، وهو يقتضي أيضًا نزولًا منه جل وعلا في ذلك الجزء، فهل هو ينزل حقيقة في عرفة، أو ينزل حقيقة في البلد التي فيها الثلث الأخير من الليل؟ وهذا يدل على منتهى التناقض والإسفاف عندما تُدخل هذه الآيات في آيات الصفات وتُجرى على ظاهرها. ولذلك الحق أنها ليست من آيات الصفات في شيء، وأنها تُحمل على ما يليق بذاته العلي جل وعلا. والله تعالى أعلم.
👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
📅 ٨‏/٨‏/٢٠٢٥👁 4 مشاهدة
🎬

[بث مباشر] إفتاء مع الشيخ د.إبراهيم بن ناصر الصوافي || الحلقة 48

العقيدة

✦ فتاوى مشابهة

معنى الاستواء على العرش

2 👁

كيف نفك الارتباط الذهني بين لفظ العرش والكرسي في القرآن وبين عروش الملوك والاستقرار الحسي؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٩‏/١١‏/٢٠٢١

مكان الله والعلو

15 👁

هل تدل الآيات والأحاديث التي ظاهرها العلو كقوله تعالى: "أأمنتم من في السماء" وحديث الجارية وغيرها على أن الله موجود في السماء على العرش كما يعتقد بعض المسلمين؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٩‏/٨‏/٢٠١١

الجمع بين آيتين في الابتلاء

2 👁

كيف نوفق بين قوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم وقوله ونبلوكم بالشر والخير فتنة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٢‏/٤‏/٢٠١٨

محاسبة الله على النيات

3 👁

هل يمكن الاستشهاد بقوله تعالى (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) على أن الله يحاسب العبد على نواياه؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٥‏/١‏/٢٠٢٥

الابتلاء وعلاقته بالتقوى

5 👁

ما علاقة المصائب والابتلاءات التي تصيب الإنسان بدرجة تقواه لله تعالى؛ هل كثرة المصائب دليل على قوة التقوى أو ضعفها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

جواز القياس على الله؟

3 👁

هل يصح القياس على الله تعالى، أم الأولى الاقتصار على النص من الكتاب والسنة؟

👤سعيد بن مبروك القنوبي
١٩‏/٧‏/٢٠٢٠