⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: طبعًا لا وجود لتعارض بين الحديث والآية، ولا وجود لِرَدِّ الحديث كما يفعل بعض المتفقّهين أو بعض الكفار الذين يريدون أن يطعنوا في الإسلام.
أولًا: قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، و﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، هذه الآيات تعطي الحرية للأقوام الذين نزل بهم القرآن في حرية اختيار الدخول في الإسلام أو عدم الدخول؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يُلزِم اليهود ولم يُلزِم النصارى بالدخول في الإسلام؛ عندما أسلم المسلمون في المدينة بقي اليهود، لم يُلزِمهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، ولكن للإسلام قوانين، للإسلام أنظمة وتنظيمات وتشريعات تحكمه؛ فمن دخل فيه ليس له أن يخرج عنه.
أنت لك أن تختار بين الإسلام وبين عدمه، هذا الأمر راجع إليك وتُحاسَب عليه، ولكن ليس لك أن تدخل في الإسلام ثم تخرج لتطعن فيه؛ لأن هذا اعتداء على الإسلام.
انظر الفرق، أنا أقول لك -ولله المثل الأعلى-: يا أخي إن شئت أن تدخل بيتي فتفضل، وإن لم تشأ فذلك راجع إليك، لا خصام، لكن ليس لك أن تعتدي على بيتي عنوة، أو تدخل في بيتي بإذني أنا ثم تعتدي على بيتي، ليس لك ذلك، أو تدخل في بيتي أنا بإذني في المجلس ثم تريد أن تدخل في أماكن ليس لك أن تدخل فيها، هذا اعتداء، أو أن يدخل في بيتي ويريد أن يخرج على مزاجه وقد تكون هناك عورات أريد أن أسترها قبل أن يخرج، ليس له ذلك، واضح؟
فخياره في الدخول راجع إلى اختياره نعم، لكنه إن دخل ليس له أن يتعسف في الدين فيخرج منه ليطعن فيه، وقد حذّر الله تعالى ذلك وبيّن مراد الكافرين عندما قال: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾، لعلهم يرجعون عن دينهم، يرتدوا عن دينهم.
فلذلك بيّن النبي بعد ذلك هذه الأحكام، أحكام الردة؛ في أول الإسلام لم يكن هذا الحكم موجودًا، ثم بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن استقر الإسلام، وكذلك بعد أن حاول هؤلاء الكفار أن يطعنوا في الدين من خلال هذا: الدخول في الدين ثم الخروج منه والطعن فيه؛ ولذلك كل من وقع في هذا -طعن في الدين فخروج لإرادة طعن الدين- لذلك جاء الحكم الشرعي بأنه من ارتد يُقتل: «من بدل دينه فاقتلوه».
طبعًا هذا حكم ليس على إطلاقه، ما كل واحد على كيفه، لا، ذا حكم له تطبيقات، لابد أن يكون بإذن ولي الأمر، وأن يكون تحت رأي القضاء الشرعي وتحت أنظار العلماء، وأن يثبت ذلك منه يقينًا لا مجرد شك، وأن يكون هذا الإثبات بما هو في القطعيات لا في مسائل الرأي والاختلاف؛ هناك تفصيلات طبعًا نظمها الإسلام، ليس على إطلاق كما يظن بعض الجهال، وكما يظن بعض الأغبياء حقيقة، أو المتغابي؛ لماذا أقول متغابي؟ لأنهم يريدون أن يطعنوا في الدين من خلال هذا.
لكن الشاهد هنا أن دخوله لإرادة الطعن في الدين، يدخل فيرتد ليطعن في الدين بعد ردته، ولو كانت ردته بعد فترة لإرادة الطعن في الدين كما رأينا في عامة المرتدين والذين يظهرون بين الفينة والأخرى.
فإذا لا تعارض: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، أردت أن تدخل فادخل، شيء راجع إليك تُحاسب عليه، لكن لا تدخل لتطعن فيه بالردة كما كان يفعل اليهود: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾.
أما التعارض فلا تعارض، له نظائر في الشريعة؛ سنة النبي صلى الله عليه وسلم مخصِّصة للعموم، مقيِّدة للإطلاق، مفصِّلة للمجمل، ما يُسمى بالاستقلال التشريعي، هذا له نظائر كثيرة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾؛ فطاعة الله من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فالرسول يخصص عموم القرآن، الرسول يقيِّد الإطلاق، الرسول يبيّن الإجمال، وهذا من باب التبيين لأحكام الإسلام، وهذا له نظائر كثيرة.
يعني: الجمع بين المرأة وعمتها لا يجوز، وبين المرأة وخالتها، وذا اتفقت فيه كلمة فقهاء المذاهب الإسلامية؛ من أين جاء؟ جاء من سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي بيّنت بعض الأحكام في الأنكحة، ما لم يرد في آية المحرمات من النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ إلى آخر الآية القرآنية.
عندك حديث «لا وصية لوارث» أيضًا قيدت وبيّنت ما لم يرد في القرآن الكريم، وقد حُكي إجماع المسلمين على هذا القول وعلى هذا الحديث؛ فهل هناك تعارض أيضًا؟ ليس هناك تعارض، لم يأتوا إلى هذه القضية، أتوا إلى قضية الردة لما فيها من إثارة العواطف، ولما فيها من استغلال المواقف التي تقع بين الفينة والأخرى.
عندك أيضًا: الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ في الحائض، لا تقربوهن حتى يطهرن، رُوي أن بعض الأعراب وجدوا حرجًا من المسلمين: كيف نعزل النساء، وخاصة في البرد الشديد؟ فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن القرب هنا المقصود به الجماع؛ نعم اختلف الفقهاء في ما بين السرة والركبة، والصحيح أن الممنوع إتيان المرأة في فرجها، أما أن يقربها، أن يصافحها، أن يقبِّلها، أن ينام معها دون جماع، فهذا لا حرج فيه، بيّنته سنة النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة.
كذلك: الأمر بالزكاة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، بيّنت السنة أشياء لا تدخل في الزكاة وإن كانت مالًا، في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة»، مع أن الفرس غالٍ وهو من الأموال التي يعتز بها العرب، ولكن الشارع نفى فيه الصدقة؛ فنقول: فيه تعارض؟ ليس فيه تعارض، هذا تقييد لإطلاق.
وكذلك مسائل الوضوء: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وعند كل وضوء»، لم يرد في القرآن الكريم المضمضة، لم ترد الاستنشاق، لم ترد هذه السنن، ولكن بيّنتها سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فليقال: هناك تعارض؟
الأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا؛ فسنة النبي تخصص العموم، تقيِّد الإطلاق، تبين الإجمال، ترد بتشريعات لم ترد في القرآن الكريم، إنها داخلة في تفصيل وتبيين ما يحتاج إلى تبيين، ولأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله، وقد أمر الله تعالى بذلك: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؛ اختلفنا نرجع إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن في القرآن الكريم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه»، وقد ثبت الحديث، فعلينا أن نُسلِّم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.
على أنني أؤكد على ما قدّمته -ما يُقتطع الكلام من سياقه- أن هذا الحكم له قوانين وليس على إطلاقه؛ كما أن حد الزنا له قوانين، كما أن حد الخمر له قوانين؛ هذا حد الردة، والحدود لها قوانين؛ لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا -لكي تسمع إلى رأفة النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى سماحة الإسلام، وإلى أنه لا يأخذ بالريبة والشك والظن كما يفعل الظلمة، وإنما يأخذ باليقين- قال: «ادرؤوا الحدود بالشبهات»؛ ما معنى هذا الكلام؟ أي حد من الحدود: حد الردة الذي نتكلم عنه الآن، حد الزنا، حد القتل، حد شرب الخمر، إن كان فيه شبهة، نحن لا نريد إقامة حد بشبهة، لابد أن يكون على يقين.
فالإسلام لم يترك الأمر هكذا عبثًا، وإنما جعل له ضوابط دقيقة، حتى لما تنظر إلى الضوابط تجدها صعبة لا يمكن أن تتحقق إلا باعتراف الإنسان بنفسه ومجاهدته.
فلذلك هذه إنما تُقام بضوابط وحدود، ليست على إطلاقها.
والله أعلم.