⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا معارضة بين ما قرره علماء الإسلام من حد الردة وبين قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
أولاً لنعلم أن الردة عن الإسلام هي خيانة عظمى وتعدٍّ على هذا الدين، ولذلك عدّت جريمة من الجرائم الموجبة في هذا الدين، الموجبة للعقوبة، وعقوبتها القتل، لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بدّل دينه فاقتلوه»، وقد أجمعت الأمة من سائر المذاهب الإسلامية على دلالة هذا الحديث، وهذه عقوبة كما أن هناك عقوبات للقتل وللزنا... منها ما نص عليه في كتاب الله عز وجل، ومنها ما دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية.
ومع الحديث المتقدم، هناك أيضاً قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حديث آخر في الموضوع، في السياق: «لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيّب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة»، نعم.
والاعتراض بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقم هذا الحد، فلأن الذين ارتدوا في عهده هاجروا، كما تنصّر بعض من كان من كتّاب الوحي، نسأل الله تعالى السلامة ونعوذ بالله من سوابق الشقاء، فخرج إلى أرض الروم أو إلى تخوم الروم، ففر خارج سلطان المسلمين.
لكن ورد أن من بعثهما مسيلمة الكذاب برسالة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُنبئه فيها أن الله تعالى قد أشركه في النبوة وأن له نصف الأرض، ولمحمد صلى الله عليه وسلم نصف الأرض، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسولَيْن اللذين أتيا بالكتاب فقال: وما تقولان أنتما؟ فقالا: نقول كما يقول، أي كما يقول مسيلمة، أي يؤمنان به، فقال عليه الصلاة والسلام: «لولا أن الرسل لا تُقتل لقتلتكما»، نعم. ولا يُعترض على هذا بأنه لم يُعلم سبق إسلامهما حتى يقال بأن هذه رِدّة، لأنه ما كان من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل الآتين إليه عن إسلامهما وهما رسولان، فالظاهر أنهما قد أسلما من قبل، لا سيما وأن مسيلمة ادّعى في بني حنيفة... فآمن به بعض من كان قد آمن من قومه.
يضاف إلى ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد بعث معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن، كل واحد منهما على مخلاف، فكان معاذ بن جبل إذا كان في مكان قريب من مخلاف أبي موسى مرّ عليه، فمرّ عليه يوماً، فلما وصل عنده رأى رجلاً مقيَّداً إلى عنقه فقال: ما بال هذا؟ قال: كفر بعد إسلامه، أي أبو موسى يقول لمعاذ، فقال: أنزِلْ، وكان راكباً، فقال: لا أنزل حتى يُقتَل. قال: قد أُحضِر ليُقتَل، نعم.
إذن هذا حد من الحدود، مردّه كما هو الشأن في سائر العقوبات إلى وليّ الأمر، إلى السلطة القضائية، مع اكتمال شروط هذه الجريمة. قرر الفقهاء أيضاً أن له حق الاستتابة، أنه يُستتاب، واستتابته تعني أن يُحاوَر فيما أُشكل عليه وفي الشبهات التي تواردت عليه، وأكثر الفقهاء على أنه يُستتاب ثلاثاً متفرقات، بحيث يُعطى فرصة للحوار.
ومن كان هذا حاله، فدليل على أنه خائن؛ إذا كانت الأموال تُصان في هذا الدين، والأعراض تُصان، والأنفس والدماء تُصان، فكيف بحوزة الدين نفسه لا تُصاب؟ كيف بوحدة هذا الدين؟ وهذا يدل عليه الحديث الثاني الذي ذكرته، وهو حديث المفارق للدين التارك للجماعة، لأنه ورد أيضاً بروايات تدل على أنها خيانة عظمى، نعم.
هذه هي الحقيقة، ولا داعي أيضاً... لأن الذي حصل في تاريخ هذه الأمة: الآن ملايين، لا مبالغة إذا قلنا إلى الآن مئات الملايين؛ إذا كنا نحن نتحدث اليوم عن مليار وزيادة من المسلمين، فانظر كم كان في تاريخ المسلمين ممن انتسب إلى هذا الدين، وانظر في حالات الردة التي حصلت في مَن دخل في هذا الدين ثم خرج منه. فهذا أيضاً التهويل في شأن هذه القضية، وهذا التعاطف مع من يأتي مثل هذه الجرائم، لا أعرف ما مبعثه. لما لا يكون أيضاً التعاطف مع سائر المجرمين من الذين يروّعون الآمنين على سلب المال، الذين يروّعون الآمنين بالحراب، بقطع السبل على الآمنين الأبرياء، وتقتيل وتشريدهم، وقتل الأبرياء، وسلب أموالهم ونهبها؟ لم لا يكون التعاطف أيضاً مع الذين ينتهكون الأعراض، أو الذين يعتدون على الأنفس؟ هذه كلها من الجرائم، وهذه هي عقوباتها في هذا الدين الحنيف.
والله تعالى أعلم.
... لكن هذا هو الذي استقر عليه رأي المسلمين قاطبة، وبحمد الله تعالى ما منع الناس من الدخول فيه أفواجاً، عن قناعة ورغبة، ولما دخلوا فيه ازدادوا به تمسكاً، وازدادوا به تعلقاً وحباً.
فقط مما يجب التنويه عليه هو أنه حينما نتحدث عن جريمة الردة، فتحقيق المناط فيها إنما مردّه إلى السلطة القضائية، ما هو الموجب للردة؟ هو ليس بأيدي عموم الناس، ولا يصح لأحد أن يكفّر معيَّناً، أن يحكم بالردة على معيَّن مشخص، وإنما هذا أيضاً من شأن القضاء، وإنما أن تُذكر المكفّرات مما يرد شيئاً من أصول هذا الدين، من عقائده، من أركان الإيمان فيه، أو مما عُلِم من الدين بالضرورة فيه، فهذه المكفّرات هذه التي يُحكم على صاحبها، ومع ذلك فمن حق صاحبها أن يُستتاب.
إذاً نحن نتحدث عن جريمة؛ كما نتحدث –على سبيل المقارنة والتوضيح– عندما يُقال بأن حد السرقة القطع، هذا ليس على إطلاقه، هناك سرقة مخصوصة: أن تكون من حِرز، وأن يكون المال هو موجباً للحد، أن يكون –كما هو الخلاف عند الفقهاء في مقداره– لكن أكثر الفقهاء على أنه من ربع دينار فصاعداً، وأن تكون من حِرز، لا شبهة للسارق فيه، وإلا عُدّت نوعاً من الاختلاس أو السلب أو النهب أو غير ذلك من أنواع أخذ المال بغير وجه حق، وحينئذٍ تحقيق المناط في بيان هل هذه سرقة موجبة للحد أو لا مردّه إلى الجهة القضائية.
كذا الحال بالنسبة لسائر الحدود: نتحدث عن الزنا، أيُّ زنا هو الموجب للعقوبة؟ ثم ليس هناك نظام على وجه الأرض في شرق العالم أو في غربه، في شماله أو في جنوبه، إلا وفيه قانون عقوبات، وهذه العقوبات هي –بالنظر إلى ذلك المجتمع– فيها قسوة، لأنها تتعلق بمجرمين، وهكذا أُريد لها لتكون روادع، ولتكون مانعة من انتشار الجرائم وفشو الإفساد في الأرض. أُريد للعقوبات أن تكون كذلك؛ تتفاوت هذه العقوبات بحسب نوع الجرائم وبحسب تلك المجتمعات.
هل هذه المجتمعات حينما تعرّف بنفسها تأتي وتعرّف بقانون العقوبات فيها؟ هل لما تعرّف بثقافتها ومعارفها وحضارتها تقول: انظروا، نحن نعاقب المرتشي بكذا، ونعاقب الزاني بكذا، ونعاقب السارق بكذا، يعرّفون أنفسهم بذلك؟ أو أن مما يحتاج إليه الباحث الذي يريد أن يتعرف على هذه الثقافة أو على تلك الحضارة أن يتعرف على العقوبات فيها من خلال منظومتها المتكاملة العلمية والمعرفية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والتعليمية؟
كذا الحال بالنسبة لهذا الدين أيضاً؛ من غير الإنصاف أن تُجتزأ بعض أحكامه الشرعية ويُقال: تعالوا نحن نحاكم دينكم، هذا الدين فيه قسوة، هذا الدين فيه غلظة. لا، لينظر فيما وفّره هذا الدين في سائر تشريعاته وأحكامه وأخلاقه، في نُظمه، فيما يتعلق بالسياسة والاقتصاد والعلم والتربية والاجتماع والأسرة إلى آخره، وفي حقوق الأفراد وفي الحريات ونظام الحكم... كلها حلقات مترابطة بعضها ببعض.
ثم لننظر أيضاً في التاريخ كما تقدم، سنجد أن هذه الحالات حالات نادرة جداً، وأن من ارتدّ مصِرّاً وعن قناعة، فإنه يخرج من بلاد المسلمين، يأوي إلى من ينتسب إليهم فكراً، ومن يريد أن يكون معهم ومثلهم، وهذا شأن كل صاحب دعوة.
هذه القضية التي سُئلتم عنها نحن لا نقدم صورة فيها شيء من التحايل أو الغش للناس، نحن نقدم ديننا بما يشتمل عليه، وبما ينطوي عليه في سائر أحكامه ونُظمه وتشريعاته ومصادر التشريع فيه، تُقدم للناس بكل وضوح وصدق وشفافية، وهم يتعرفون عليه في كل ذلك، ومع ذلك واقع الحال يشهد أن الناس تُقبل عليه أفواجاً، وأنهم يجدون فيه بُغيتهم، وحينما يكونون في تيه وحيرة، فإذا قدِّم إليهم هذا الدين ودُرس وعرفوه، فإنهم يكبُر في نفوسهم ويدخلون فيه ويقتنعون به، ويناضلون عنه ويدافعون.
واليوم نجد أن كثيراً ممن يدافع بحماسة عن هذا الدين، وعن ما فيه من تشريعات، بما فيها تشريع العقوبات، وبما فيها تشريع الردة، هم ممن لم يكونوا على الإسلام أصلاً، الكثير منهم بمختلف اللغات.
... أما ما ذُكر من أن الأدلة ظنية وتقبل التأويل، فأولاً: لا قائل بأن أحكام العقوبات بحاجة إلى أدلة قطعية، لأنها من العمليات، والعمليات تكفي فيها الأدلة الآحاد. ثانياً: هناك أدلة متظافرة، المتقدمة وردت أيضاً بروايات عديدة ومن طرق عديدة، ولا شك أن العبرة بما ثبت صحيحاً مرفوعاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم إنها واضحة الدلالة، لا تحتمل هذه التأويلات. لا يمكن أن يُقال بأن الدليل إذا طرقه أي احتمال فإنه يسقط به الاستدلال؛ ما يقرره الأصوليون من أن الدليل إذا طرقه الاحتمال يقصدون به الاحتمال القريب المقبول، لا يقصدون به الاحتمالات المآلات الواهية الضعيفة التي لا اعتداد بها ولا وزن لها أصلاً، بينما هذه الأدلة دلالتها ظاهرة واضحة جلية.
كيف وهي متظافرة في الطريقة، واحتجّ عليه بهذا الحديث، وسار على هذا الخلفاء الراشدون، وأجمع على هذا أيضاً الأئمة من مختلف المذاهب الإسلامية.
والله تعالى أعلم.