⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الوقف كما تعلمون هو حبس الأصل وتسبيل المنفعة، أن يُحدِث الإنسان أصلاً معينًا، بمعنى أنه يمنع من التصرف في ذلك الأصل في البيع أو الشراء أو أي تصرف ناقل للملكية، فهو موقوف، أي محمول على المنفعة أو على الجهة التي يريد منها صاحبُه التبرعَ والتقربَ إلى الله سبحانه وتعالى.
جاء الشرع بإثبات هذا الأمر، وأن أي وقف كان في طاعة من طاعات الله تعالى فإنه لا يجوز تغييره إلى يوم القيامة، ليبقى في ملك الله، يخرج –كما يقول الجمهور من الفقهاء– من ملكية الواقف إلى ملكية الله تعالى، فيكون لله تعالى، ولا إنسان أن يتصرف في شيء ليس من ملكه، وإنما هو من ملك الله سبحانه وتعالى، ومعنى ملكيته لله سبحانه وتعالى أي أن أجره على الله، فلا يتصرف فيه أحدٌ من بيع ولا احتراب.
هذا هو الأصل، فلا يجوز تغييره ولا يجوز بيعه ولا شراؤه، لكن هناك ظروف خاصة يمكن أن يُغيَّر فيها الوقف. هذه الظروف تقول: إنه لا يجوز لي أن أغيِّره إلى جهة أخرى غير الجهة الموقوف عليها، وإن تعذَّر أن تُغطَّى الجهةُ الموقوف عليها، أنني يمكنني أن أنقله إلى غيرها من الجهات، ولكن أنقل منفعته فحسب ولا أنقل الجهة الموقوفة.
لماذا؟ لأن الواقف أخرج هذا المال من ملكه ونقله إلى ملك آخر، إلى جهة معينة، هذه الجهة الموقوف عليها أصبحت ملكًا، حينما تتصرف وتنقل هذا من هذه الجهة إلى جهة أخرى معناه أنك تتصرَّف في شيء لا تملكه، ولا يجوز للإنسان أن يتصرف في شيء لا يملك.
ومن هنا نقول: إن تغيير الوقف لا يجوز، بل إن تغيير شرط الواقف لا يجوز أيضًا، حتى قال بعض الفقهاء: إن شرط الواقف كنص الشارع، لا يجوز تبديله، وإنما يُقتفَى ما لم يكن هذا الشرط الذي شُرِط في الوقف مخالفًا للشرع، أو ما لم يتعذر إفادة مثل هذا الشرط فإننا نُغيِّره، وفي حال التغيير لا نغيره إلى جهة أخرى، وإنما نغيره إلى جهة مماثلة فحسب.
فهذا الواقف وقف هذه الوقفة شيئًا للماء، ما هو الموقوف هنا؟ الظاهر أنها أرض وهبها لمياه الشرب، هذا الوقف لمياه الشرب، معناه أنني إن لم يوجد هنالك من يريد هذا الماء يمكنني أن تبقى الأرض الموقوفة على أنها لشرب الماء، ولكن منافعها المتراكمة إن لم أجد لها أهدافًا، يمكنني أن أصرِفَها في جهة أخرى، جهة مماثلة.
فيمكن أن نصرِفَها إليها، مثلاً لو كان هذا الوقف موقوفًا لشرب المياه في منطقة معينة فلم أجد أحدًا في تلك المنطقة مضطرًّا إلى هذه المياه، فإنني أقول: هذا الماء يُنقَل من شعوب هذه المنطقة إلى منطقة أخرى، المهم أنه يبقى مكانه.
لماذا؟ لأن كل واقف يقف شيئًا قد تكون لديه هذه النيّة، هذا هو الأصل عندنا جميعًا حينما نوقف أموالنا؛ قد تكون لدينا خرائط واتفاقية. أنتم تعلمون أن الإنفاق والأعمال الخيرية كثيرة، ومن الناس من يحبون أن تكون أعمالهم الخيرية متنوعة، فمنهم من يقف لمسجد، ومنهم من يقف للفقراء، ومنهم من يقف لنور العلم، المهم أنه إنفاقه الخيري حتى يأتيه الأجر من كل الأماكن، فأنت حينما تغيِّرها تسيء الظنَّ بنيّة الواقف، قد يكون له مقصد معين.
إذن لا يجوز تغييرها ولو كان هذا التغيير لمسجد، بل تبقى الأوقاف على ما وُقِفَت عليه، إلا أن تُعذَر –أو تعذر– أن يوجد لها مصرف، وهنالك ننقل منافعها ولا ننقل أصولها، بل تبقى أصولها على ما وُقِفَت عليه.
لذلك نقول هنا: إنه لا يجوز تغيير هذه الأوقاف. يمكن أن يشتري هذا المسجدُ الأرضَ الموقوفة إن كان مضطرًّا، هذا شراء الأرض الموقوفة يمكننا المصير إليه في حالة واحدة، وهو أن يعطي الموقوفَ أرضًا أخرى تكافئها أو تزيد عليها، ويبقى ريع الوقف متواصلاً أجرُه على الواقف، أما أن نبيعها هكذا أو أن نعطيها مسجدًا دون أن يكون هناك تعويض للوقف فإن هذا لا يجوز، لأن الوقف شخصية اعتبارية مستقلة، والمسجد أيضًا شخصية اعتبارية مستقلة، فلا يمكنك أن تأخذ مال هذا لتغطية ذلك.
والله تعالى أعلم.