⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
أما بعد، فالجواب يقوم أولًا على تصحيح ما يتوهمه كثير من الناس من أن بعض المفردات القرآنية ينصرف معناها إلى معنى متصوَّر في أذهانهم، إلا أن اللغة ودلالاتها كما هو الاستخدام القرآني لا يحصران معنى تلك المفردة في ما تصوره الناس، نعم.
ومن هذه المفردات: مفردة الاقتراف، والكسب، والاكتساب، نعم.
نعم، يغلب على الاستعمال القرآني وفي اللغة أن يكون الاقتراف في إتيان السوء والشر، وأن يكون الاكتساب أو الكسب في تحصيل الخير والحق، نعم، لكن ذلك لا يحصر معنى الكلمتين في هذه الدلالات، فقواعد اللغة ودلالاتها تشهد باستعمال المفردتين في الخير وفي الشر، في إتيان ما هو خير وما هو حق ومحمود، وفي إتيان ما هو دون ذلك.
فإذا تقرر هذا فإن السياق هو الذي يرجِّح استعمال شيء من هذه المفردات في ذلك الموضع تحديدًا دون المفردات الأخرى، نعم، لا سيما عند القائلين بأنه لا ترادف –بمعنى التطابق– في المفردات القرآنية، وهو قول ظاهر الرجحان؛ بمعنى أنه لو أتيتَ كلمات اللغة العربية ليحلَّ إحداها شيءٌ محل الكلمة القرآنية في ذلك الموضع من ذلك السياق لما أمكن، لاختل المعنى، نعم.
وهذا أيضًا مما ينبغي أن يُتفق عليه، ولا توجيه لترجيح هذا القول عند من يقول بالترادف؛ قد يجد في بعض المواضع تأويلات تقوم على التنويع في المفردات المستعملة، نعم، أو مراعاة الفاصلة القرآنية، لكن هذا غير مضطرد حتى تُبنى عليه قاعدة الترادف. فالصحيح أن الترادف الذي هو بمعنى التطابق لا وجود له في كتاب الله عز وجل، نعم، فلا يمكن أن تقوم كلمةٌ مقام مفردة قرآنية استُعملت في موضع من آية كريمة، في محلِّها من سورة كريمة، نعم.
هذا هو الأمر الثاني. بقي أن نُفرِّع على ما تقدم استعمال الاقتراف في الآية محل السؤال، وهي قوله تبارك وتعالى في الشورى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ [الشورى: 23]، نعم.
الاقتراف هو –من حيث الجذر اللغوي– مأخوذ من القَرْف بكسر القاف، نعم، والفعل منه: قَرَفَ من باب ضَرَبَ، فالمضارع يَقْرِف، نعم، والقَرْف هو القشرة، ولذلك القِرفة التي تُستعمل نعم هي قِشرةُ شجرة، ويقال: قَرَفَ الرمانَ أي قشر الرمان، نعم. وكما تقدم الفعل منه قَرَفَ، و«اقترفَ» مزيد، و«قارَفَ» كلها مستعملة.
فإذا رجعنا إلى القاعدة الأولى، وهي أنها تُستعمل في الخير وفي الشر، تُستعمل في السوء وتستعمل في الخير، نعم، وإن كان يغلب استعمال أعمالها في سياقات السوء والشر، إلا أنها غير منحصرة فيه كما تقدم، واستحضرنا أيضًا القاعدة الثانية: أن السياق –بناء على هذا– هو الذي يحدد الحكمة من اختيار هذه المفردة في هذا الموضع، أمكن لنا أن نخلص إلى أن المعنى المقصود هنا لا ينحصر الخطاب فيه على أهل الإيمان.
سورة الشورى سورة مكية، وفي صدارة موضوعاتها مخاطبة أهل الشرك في القضايا المتعلقة بالبعث والحساب وفي رد شبهاتهم وفي ضرب الأمثال لهم بما كان من قصص الأنبياء والمرسلين، نعم، فالخطاب في هذا السياق الذي وردت فيه هذه الآية الكريمة موجه إلى أهل الشرك، نعم، وُجدت فيه آيات تتحدث عن أهل الإيمان أيضًا.
فإذا المناسبُ الأنسبُ لخطاب أهل الإيمان وأهل الشرك بخطاب واحد هو استعمال مفردة مشتقة من الإتيان ولو في أدنى الدرجات، نعم؛ لأن كلمة –أو الجذر كما تقدم– «القَرْف» مأخوذ من القشر، فأدنى ملابسة مقصودة هنا، وهذا لا يُتوصل إليه إذا كان الخطاب مقصودًا به خطاب أهل الشرك –أهل الجاهلية–، وكان الخطاب مقصودًا منه تعميمُه أيضًا ليشمل أهل الإيمان. ولذلك فناسب أن تُستعمل كلمة «الاقتراف» الدالة على أدنى درجات –يعني: الفعل نفسه– حتى لا يعترض؛ لأن الاقتراف فيه تكلُّف، و«قارَفَ» أيضًا فعل مزيد يدل على الإتيان، إتيانِ الفعل بما هو أعلى من الحد الأدنى، نعم، لكن يبقى أن أصل الاشتقاق اللغوي حاضر في هذا المعنى؛ لأن معنى الكسب –في المقابل– فيه شيءٌ من التحصيل، الكسب، والاكتساب أيضًا؛ الاكتساب فيه افتعال، فيه معالجة وقصد إليه، كذلك الاقتراف فيه شيء من المعالجة والقصد إليه، لكنه في درجاته –كما يقال– ولو كان ذلك في القشور.
فـ «ومن يقترف حسنة» أن يأتيَ هذه الحسنةَ ولو في أدنى درجاتها، «نزد له فيها حسنا»، فناسبت الزيادة هنا، ناسب هذا المعنى الذي يُخاطَب به المشركون كما يُخاطب به المسلمون المؤمنون، نعم، وأنهم بإتيانهم لأدنى درجات الحسنات فإن الله تبارك وتعالى يزيد لهم في تلك الحسنات حُسنًا، نعم، هذا الذي يناسب.
بينما نجد في قول الله تبارك وتعالى: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: 81] أن السياق يشهد بأن المقصود منه الوعيد، وأن هذا الوعيد، هذا الإتيان، هذا التحصيل للسيئات متوعَّدٌ عليه من الله تبارك وتعالى، هذا الوعيد المذكور في الآية الكريمة.
إذًا السياق هو الذي يؤدي بنا إلى استنتاج الحكمة من استعمال هذه المفردات، كلٍّ في سياقها الذي وردت فيه، نعم، لنجد أنه لا يمكن أن تحل المفردة الأخرى محلَّها، وأنه بالإتيان بها في هذا السياق فإن أصل دلالتها اللغوية مقصود، وأصل المخاطَبين أيضًا حاضر لمعرفة: الخطاب يُوجَّه لِمَن؟ وما الذي يُطلَب منهم إتيانُه؟ فهذا هو الذي يظهر لي، والله تعالى أعلم.
… طيب، بناء على هذا –كما تفضلتم– أن السيئة هنا ليست هي الخطيئة ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، نعم، فمعنى ذلك أن الخطيئة ليست هي السيئة، نعم.
الترادف –يعني حتى أيضًا نزيل الإبهام عند أذهان كثير من الناس– قد يتفق معنى المفردة مع مرادفها في الذات، لكنه يختلف في الأوصاف، نعم، وهذا يصدق على الذوات كما يصدق على المعاني.
مثال ذلك –نعم، مثال ذلك– في كتاب الله عز وجل نجد أن الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم استعمل الإبل: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17]، نعم، والإبل معروفة، لها مرادفات لا تختلف في الذوات، نعم، لكنها تختلف في الأوصاف، جميل. فنجد –يعني– في الكتاب الكريم أن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: 33]، نعم، هذا وصف مختلف، ويقول: ﴿شُرْبِ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: 55]، نعم، «الهيم» الإبل العطشى التي ترد الحياض وهي في حالة من شدة العطش، نعم.
فهنا الذات واحدة، وهي هذا الحيوان المعروف، لكن أوصافها اختلفت، فتبَعًا لذلك اختلفت المفردات التي استُعملت في وصفها، نعم. إذا الذات واحدة لكن الأوصاف هي التي بيَّنت أحوال… حتى لا يتشعَّب الحديث كثيرًا… هي التي صُرِفَت… أو انشعب من الذوات أوصاف استُعملت لها مفردات تدل على معانٍ إضافية فوق الذوات. وقلتُ بأن هذا يصدق على الذوات كما يصدق على المعاني، يصدق على المعاني كمثل هذه الأفعال التي يسأل عنها السائل، نعم: الاقتراف، والاكتساب.
يغلب على الاستعمال أن يعني الاقتراف هو إتيان فعل ما، وأن الاكتساب هو إتيان فعل ما، نعم، هذا القدر مشترك، هذا القدر مشترك، لكن الاقتراف من حيث جذره اللغوي –كما تقدم بيانه– دالٌّ على القشر، نعم، فعند جمع هذا المعنى الجذري، المعنى الاشتقاقي، إلى المعنى المقصود من السياق القرآني نستنتج أن أدنى ملابسة لهذا الفعل داخلة في معنى الآية الكريمة، نعم.
الكسب فيه معنى التحصيل كما تقدم، فيه معنى الإتيان، فأيضًا يلتقي مع الاقتراف في هذا المعنى، لكنه –يعني «الكسب»– مأخوذ من الجمع والتحصيل، ولذلك من أسماء الذئاب: «كُسَاع» أو «كِسَاع»… نعم، لأنها تجمع فرائسها، تجمع طرائدها.
هذا الأمر يصدق أيضًا على السيئة والخطيئة: السيئة: إتيان ما يسوء، نعم، والخطيئة: إتيان ما هو خطأ، نعم. فالآية الكريمة: كل ما كان مسيئًا، كل ما كان من السيئات –بمعنى أنه يسوء فاعله، هذا الذي أتاه يسوءه أي يسوء فاعله– فهو داخل في ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾، نعم، ولا يظننَّ ظانٌّ أن إتيان ما يسيء الوجوه هو المتوعَّد عليه فقط؛ فأُضيف إلى ذلك ما يتعلق بالخطيئة، والخطيئة هي إتيان ما فيه خطأ، والخطأ هو مجانبة الصواب.
فحتى لا يعترض أحد بأن الوعيد إنما هو فيما يَسوء وجه صاحبه، وأن من أتى أمرًا خطأ لكنه في معهود الناس لا يَسوء وجه صاحبه، ولا يَسوء وجه صاحبه؛ فعمَّمت الآية الكريمة أن كل ما كان مخالفًا لدين الله تبارك وتعالى، بعيدًا عن الصواب، فهو متوعَّدٌ عليه، نعم.
أيضًا الآية الكريمة تشير إلى معنى –إذا أردتم يعني الاستطراد قليلًا…– لأن كثيرًا من المفسرين –للأسف الشديد، وهذا مما يُؤسف له– غلب عليهم تفسير أهل الإرجاء، فحملوا كلمة «الإحاطة» –قال في الآية الكريمة: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾– على أن مثل هذه الحالة لا تُتصوَّر من مسلم موحِّد، نعم، لأن الخطيئة لا يمكن أن تحيط به إحاطةَ السوار بالمعصم، نعم، وتناسَوا أن صدر الآية الكريمة يقول: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، لو أن الرابط بين الجملتين كان بحرف الفاء لكان أن يُحمل على هذا المعنى؛ لأنها ستكون بمعنى التفريع، بمعنى التفسير، نعم، الفاء ستكون تفسيرية: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً فَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، نعم، لكن لما كان الحرف العاطف بين الجملتين هو حرف الواو فإن الحمل على التفسير لا يتأتى، وإنما هو أمر يتوعَّد الله تبارك وتعالى عليه: من كسب سيئة، ومن أحاطت به خطيئته، نعم.
وتقدم معنا لماذا قال: «من كسب سيئة»: هذه السيئة تسوء الوجه؛ أتى ما هو سيء، أي يسيء وجه صاحبه، فهو متوعَّد، وكذلك هذا الذي ينغمس فيما حرَّم الله تبارك وتعالى، نعم، فينحرف عن الصراط المستقيم، ينحرف عن الصواب، ينحرف عما يرضي الله تبارك وتعالى، فيأتي الخطيئات، داخلٌ في هذا الوعيد، نعم.
والله تعالى أعلم.
… قالوا إن المسلم، إن هذه الآية لا يدخل فيها أهل التوحيد؛ لأن المسلم لا يمكن أن تحيط به خطيئته، نعم.