⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن للفتح على الإمام أحوالاً مختلفة.
فإذا سهى أو أخطأ في الفاتحة فإنه يجب أن يفتح عليه، ويفتح عليه المأموم، والأولى بأن يفتح عليه من يصلح للاستخلاف؛ فهم الذين في قفا الإمام، ممن يلي الإمام، ممن يصلح أن يستخلفهم الإمام إذا حدث له ما يجيز الاستخلاف في إمامة الصلاة.
الفاتحة، لأنها – لأن الصلاة بدونها خداج، فهذا مما لا خلاف أنه يفتح على الإمام فيها. سنأتي متى يفتح وكيف يفتح، وإنما بيان للأحوال الآن.
ثم في تلاوة القرآن بعد الفاتحة فإن جماهير أهل العلم يرون استحباب الفتح على الإمام إذا ارتج عليه، أي إذا وقف في موضع ولم يمكن له الإكمال لسهو أو نسيان أو طارئ طرأ عليه، فإنه يستحب ويرغب بشدة في أن يفتح له تعظيماً لكتاب الله عز وجل ومراعاة لهيبة الصلاة، ولأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي»، ولِما عُلم أيضاً من حاله صلى الله عليه وآله وسلم من أنه كان يرغب أصحابه في تذكيره حينما يحصل له سهو أو نسيان في الصلاة.
فمن الذي يفتح؟ أو متى يفتح للإمام؟ نعم، يفتح للإمام إذا ارتج عليه، إذا توقف عن القراءة، نسي المحفوظ، وغلب على ظن المصلين أن وقوفه ذلك إنما هو لطلب التذكير، لم يكن لأخذ نفس أو لبلع ريق أو لطارئ كسعال أصابه، وإنما كان ذلك – غلب على ظنهم – أنه ما وقف إلا لنسيان ولطلب التذكير.
فهذا يعني ألا يُستعجل بالفتح عليه، ولا ينبغي لهم أن يقفزوا فوراً إلى أن يفتحوا له، ظانين أنه قد استغلق عليه في القراءة، بل يتريث، فلعله يعيد الآية قبلها فيتذكر، أو يعيد الموضع فيتذكر؛ فإذا كان كذلك، إذا كان يكرر لأجل أن يتذكر، فلا حاجة إلى الدخول عليه حتى لا يُشَوَّش عليه، يُتمهَّل معه؛ فتحفظ للصلاة هيبتها وسكونها، ولا حاجة إلى أن يدخل المصلون هذا من جهة وهذا من جهة، وكل يفتح له لا يُنْتَظَر به.
فإذا غلب على الظن – كما تقدم – أنه قد نسي، وأنه بحاجة إلى التذكير، فليُذَكَّر.
هناك موضع أيضاً يتصل بالتذكير الواجب، بالفتح الواجب على الإمام، وهو أن يخطئ بلحن فاحش؛ كأن يأتي بوعيد بدل الوعد، أو بما يمكن أن يوهم شركاً بدل التوحيد؛ فهذا يجب أن يفتح عليه. يعني يُضرب مثال يضربه الفقهاء: أن قارئاً قرأ قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]، فقال بدل الآية الكريمة: "وارزقني وبني أن نعبد الأصنام"؛ خطأ، صحح، فهذا يجب أن يُصحح عليه، لأن هذا لحن فاحش يغير المعنى تماماً.
إذن يتصل بالفاتحة الفتح عليه فيما كان اللحن فيه لحناً فاحشاً يفضي إلى معنى غير مقبول شرعاً.
أما متى يفتح عليه فقد تقدمت أيضاً الإشارة إلى أن لا يتعجل على الإمام، وإنما يُمْهَل؛ فإذا كان هناك ما يمكن، أو كان من عادته أنه يسكت سكتة أطول من المعتاد بين الآيات، فلا يتعجل، يعني يتعرف على حاله أولاً، لكن إن غلب على الظن أنه قد ارتج عليه، فليُفْتَحْ عليه.
لا حاجة إلى أن تتنادى الأصوات، نعم يجوز لكل مأموم أن يفتح على الإمام، لكن الأولى هم الذين خلف الإمام الأقرب إليه، الذين يمكن له أن يستخلفهم، فهؤلاء أولى بالفتح عليه، لكن كل حافظ يمكن أن يفتح للإمام.
نعم، اختلف: هل يمكن لغير مصلٍّ أن يفتح للإمام؟ والصحيح أنه يمكن له ذلك، لا مانع من ذلك. بل وصل الخلاف إلى أنه لو كان في صلاة أخرى، كان يصلي منفرداً في نافلة على سبيل المثال، فسمع إمام الجماعة – أيضاً في نافلة أو في صلاة أخرى – قد ارتج عليه، فهل له من صلاة خلاف؟ نعم، وكثير من الفقهاء يرون جواز ذلك، يعني عَدُّوه من إصلاح حال الصلاة، ولكن بالضوابط أو بالأوصاف المتقدمة: على أن لا يتعجل، وأن يُمْهِل، وأن يحملوه على أنه سيتذكر، وأن يتعرّفوا على حاله؛ كأن تكون – كما ذكرت مثالاً – أن لا تكون سكتاته في العادة طويلة.
إذاً هذه هي الأحوال التي يفتح فيها على الإمام.
لكن ينبغي مراعاة مَن الذي يفتح. نعم، يعني قلنا إنه أيُّ مأموم، والأولى أولئك الذين هم أقرب إلى سترة الإمام، نعم، أقرب إلى قافية الإمام. لكن يفتح عليه الذي هو حافظ يعرف ذلك الموضع الذي يقرأ منه الإمام؛ فإذا وقف الإمام في كلمة ولم يستطع إتمام الآية، وكان هذا حافظاً، فإنه هو الذي يفتح عليه، أما إذا كان غير حافظ فليسكت، نعم، لعل غيره هو الذي سيتولى الفتح للإمام.
وهذا تنبيه مهم، لأن بعض الناس يخطئ في المتشابهات – نعم، المتشابهات: أي التي تتشابه ألفاظها من آيات الكتاب العزيز – فيكون الإمام يقرأ في موضع، وهذا شارد الذهن، فينتبه عند هذه الآية التي تشبه آية في سورة أخرى، لكنها تختلف معها في كلمة أو في كلمتين، أو في آخر الآية الكريمة تشتبه تشابهها في صدرها، وتختلف معها في خاتمتها، فإذا به يصر على أن... وهو يظن أنه يفتح عليه، بينما الإمام يقرأ في موضع آخر، وإذا به يحدث تشويشاً للمصلين؛ هذا مما لا ينبغي.
فالإمام هو وفد المصلين إلى ربهم، وهو مؤتمن، فلا يفتح إلا من كان حافظاً متقناً.
والله تعالى أعلم.
له سؤال آخر أيضاً يقول: إذا كنت لا أحفظ السورة، إنما أحفظ الآية التي يعني حافظاً لها، يعني متقناً لها، فلا مانع، فليفتح على الإمام.
يقول أيضاً: إذا كنت لست متأكداً من الفتح؟ إنما إذا لم يكن متأكداً فالأولى أن يصمت، عسى أن يفتح غيره للإمام، وإن التبس عليه، وكان الحال يستدعي، لأنه يُخشى أن يكون هذا الخطأ أو هذا اللحن فاحشاً، أو أن يقف عند موضع – الإمام أن يقف عند موضع – لا يحسن الوقوف عنده، فيمكن له أن يسبح إذا كان لا يحفظ، يمكن له أن يسبح، لأن التسبيح مشروع لتنبيه الإمام على الخطأ؛ فإذا كان لا يتقن ذلك الموضع من السورة التي يقرأها الإمام أو تلك الآية، ورأى بأن المعنى يمكن أن يكون – الخطأ يمكن أن يكون – مفضياً إلى لحن فاحش، فحينئذ يمكن له أن يسبح، عسى أن ينتبه الإمام أو أن ينتبه غيره من المأمومين.
والله تعالى أعلم.