⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، ذكر الله تبارك وتعالى القوة والجَمْع، والجمع لا يلزم منه أن يكون المقصود العدد كما ذُكر في السؤال، وإنما هو الجمع: الجمع للأموال، والجمع للنفر من الناس، وهو ينصرف إلى الجمع من الكنوز والأموال.
لكن لما قدمت القوة، مع أن القرآن الكريم وصف قارون بأنه أوتي الأموال الكثيرة وأوتي الكنوز الكثيرة، فينصرف إلى الذهن أن الأولى في سياق التحذير والاعتبار أن يُذَكَّر بحال من مضوا ممن كانوا أكثر منه مالاً وجمعاً للكنوز والأموال، ولكن المعنى بالتذكير بإهلاك من هم أشد منه قوة وأكثر جمعاً هو أن الذي يمكن أن يتصوّره ضعفاء الإيمان والمنحرفون عن الصراط المستقيم أنه يمكن أن يدفع عنهم الإهلاك إنما هو القوة؛ فيظنون أنهم بالقوة يتمكّنون من البقاء ودفع أسباب الاستئصال والإهلاك، وأنهم بالمال أيضاً يمكن لهم أن يصرفوا عن أنفسهم السوء.
فإذا بالقرآن الكريم في هذا السياق، في سياق التحذير والإتيان بالموعظة والاعتبار لما أصاب الأمم من قبل ولما أصاب الأفراد من قبل قارون، يبدأ بأشدّ ما يتصور الناس أنه يمكن أن يدفع عنهم أسباب الإهلاك، وهو القوة، فبدأ بالقوة لهذا الوجه.
وهناك وجه آخر، وهو أن المال والغنى قوة، فهي داخلة في القوة؛ لأن القوة في حقيقتها: كل ما يُتمكَّن به، كل الوسائل التي يُستعان بها لبلوغ أسباب ما، فكل ما يُتوصَّل به إلى بلوغ نتيجة ما فهو من القوة، ولذلك فإن المال والغنى وكثرة الموارد والكنوز هذه من القوة أيضاً، فيكون من باب عطف الخاص على العام، وهذا وجه آخر وهو حسن أيضاً.
وإذا التفتنا إلى هذا المعنى المتقدم للقوة فسنجد أيضاً أن هذا إنما هو من باب التعميم؛ فإذا كانت القوة تُطلق ويُراد بها ما يُستعان به على تحقيق غاية ما، فإن القرآن الكريم أراد الإشارة إلى أن كل ما أوتيه قارون من كنوز وأموال، ومن وجاهة، ومن بذخ، ومن أتباع وأعوان، ومن مكانة ومن جنود لقارون، أن كل ذلك هو من القوة التي لا تنفعه؛ لأن من كان قبله كان أشدّ منه قوة وأكثر جمعاً، فلم ينفعه ذلك ولم يَدْرَأ عنه الإهلاك والاستئصال.
الآن الذي يؤخذ من هذا السياق بعد أن تبيّن معناه: أن من تُحدّثه نفسه أنه بقوته يمكن أن يدفع سنّة الله تعالى الماضية في نصر الحق وهزيمة الباطل ونصرة المظلوم، فإن حاله كحال قارون؛ لن تنفعه قوته، ولن يزيده ماله إلا خسارة؛ فأمره إلى زوال، وسنّة الله تبارك وتعالى في نصر الحق وأهله، وفي بسط العدل، وفي رفع الظلم عن العباد، وفي نصر المظلوم، ماضية جارية لا تتبدل، وإنما هي حكمته جل وعلا: متى يُؤذن بالنصر ومتى يتفضّل به على عباده، فهذا إنما هو في حكم الله تبارك وتعالى، ما على المؤمن صاحب الحق إلا أن يأخذ بالأسباب.
والغريب أنه في سياق الأمر بالأخذ بالأسباب يستعمل لنا القرآن الكريم لفظة القوة مرة أخرى، فيقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: 60]، فيتأكد هذا المعنى هنا أيضاً: ما على هؤلاء المؤمنين إلا أن يأخذوا بما استطاعوا من أسباب القوة ومن رباط الخيل، أي من العدة العسكرية اللازمة للمواجهة، ثم إن الله تبارك وتعالى يتكفّل بنصرتهم ويتكفّل ببسط العدل وتبكيت الظالمين الطغاة المحتلين المستبدّين وإذلالهم وإهانتهم، وكما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40].