⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
والجواب عن سؤال الأخ ناصر: هذه قضية طويلة، لكن البحث فيها منهم يدل على عظيم اهتمامهم بشأن الأمة ومشاركتهم لقضاياها الكبرى.
بحث كثيرٌ من الناس أسباب هذا الضعف الذي تمر به هذه الأمة، وما الذي أدّى بها إلى هذا الشتات والتنازع في الأمر والانقسام والتشرذم، وسنجد أنهم يدورون حول أسباب لا ريب لها وجاهتها.
منها: ترك الاستمساك بحقيقة الإسلام؛ نطوف ونطوف ونشرق ونغرب، لكننا سنرجع إلى هذا السبب الجوهري؛ لأن هذه الأمة عزّت حينما أخذت بدينها، أراد الله تبارك وتعالى لها العزة بما أكرمها به من هذا الدين العظيم الحنيف، فلما تخلّت عن عُراه عروةً عروةً أنزلها الله تبارك وتعالى المنزلة التي تستحقها.
ففي صدارة الأسباب: التخلي عن عُرى هذا الإسلام، بدءًا من كثير من كليّاته الجامعة الكبرى، وانتهاءً بكثيرٍ مما يعدّه الناس من السنن والآداب والفضائل؛ فإن هذا الدين أنزله الله تبارك وتعالى علينا، أتمّ به النعمة، وأكمل به الدين، فكل ما فيه فيه عزّ للمسلمين، فيه قوة ومنعة وهيبة، يورثهم مكانة عالية، يُبصِّرهم بحقائق وجودهم في هذه الحياة وبمآلهم الذي يؤولون إليه، ويبين لهم أنهم أصحاب رسالة في هذه الدنيا، أنهم هداة إلى الحق، وأنهم أعزة بما أكرمهم الله تبارك وتعالى به.
لا أريد أن أطيل كثيرًا، لكن جوهر الأسباب يكمن في هذا السبب، ثم يُلحَق هذا السببُ أسبابٌ أخرى؛ منها: الجهل، وليس الجهل بمعنى عدم العلم بالشيء، وإنما ما سماه الأمير شكيب أرسلان "الجهل الناقص"؛ أي العلم الناقص؛ فإن ادّعاء العلم وتعاطي منزلة العلماء في كل العلوم –لا يقتصر ذلك على ما يتعلق بالعلوم الشرعية وإنما في كل العلوم– أورث هذه الأمة قدرًا كبيرًا من التأخر.
وكذلك الحال إذا فحصنا ماضي هذه الأمة وتاريخها، فإننا سنجد أن هذا الدين الحنيف كان دافعًا لهم إلى اكتساب العلوم والمعارف، وإلى الإبداع فيها والتجديد، وإلى الإضافة إليها؛ ولذلك تمكنوا، أبحروا في بحور العلم والمعارف، ونهلوا من مواردها، وأضافوا إليها، وابتكروا وابتدعوا، وخصّصوا لذلك الأوقاف والأموال والجهود، فأجرى الله تبارك وتعالى لهم نواميسه القاضية بأن يؤتي من يجتهد وأن يحقق له النتائج.
ولا أظن أن أحدًا يجادل اليوم في أن الأمة الإسلامية بشكل عام تعاني من تأخر في البحث العلمي، ومن فشوّ في الجهل؛ إذا كنا نتحدث عن جهل القراءة والكتابة في هذا الوقت المعاصر، فكيف بسائر العلوم والمعارف التي تحتاج إلى جهد كبير وإلى إبداع وإتقان.
ومن ضمن الأسباب –أيضًا وممّا ينبغي أن يُذكَر– هو ما عانت منه هذه الأمة من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ تخلّت عمّا فيه قِوام أمرها؛ فإن الله تبارك وتعالى حينما وصفها بالخيرية جعل قِوام هذه الخيرية الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر؛ قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، فإذا تخلَّوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنهم يفقدون هذه الخيرية، وهذا هو الحاصل.
يُلحق بهذا –وأشارت إليه أسئلة كثيرة– ما جثم أيضًا على هذه الأمة من استبداد أدّى بها إلى موقفين متناقضين: هذا الاستبداد أدّى إلى استتباع ذوي العلم والرأي والثقافة والفكر والأدب، فإنهم يسيرون مع المستبد حيث سار، وهذه مشكلة، أو إلى المنابذة، الموقف المقابل هو موقف العداء والمنابذة، الذي يضع الأمور بحكمه في نصابها الشرعي ويزن بميزانه، ويجعل من هذه الجهود والأفكار والعقول تلتقي على ما فيه المصالح الكبرى، وعلى ما فيه خير هذه الأمة، لكن كل ذلك ضاع إزاء هذه الظاهرة.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يعود لهذه الأمة مجدَها على أيدي أبنائها بما يحبه الله تبارك وتعالى، وبما تستحقه من مكانة، وبما ينتظره منها العالم أجمع.