⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهِّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكم.
أما بعد، فإن استجابة المولى الكريم لطلب إبليس كانت فيما يتعلق بالإنظار والإمهال، قال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قال: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، ولم تكن هذه الاستجابة من المولى الحكيم كما أراد إبليس؛ لأن إبليس أراد أن يُنظر إلى يوم البعث، ولذلك قال كثير من المفسرين: إنه لم يُرِد يوم الوقت المعلوم، وإنما أراد اجتناب الموت وغصصه، فدعا بالإنظار إلى يوم البعث، لكن الاستجابة كانت كما أراد الله تبارك وتعالى لحكمته، ولذلك قال: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، واختلفوا في «الوقت المعلوم»، وقول أكثر المفسرين أنه النفخة الأولى.
أما ما يتعلق بإضلال البشر، فهذا وعد قطعه إبليس على نفسه، حيث قال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، هذا وعد قطعه على نفسه، ويُجاهر بعداوته بين يدي الله تبارك وتعالى، ويصرِّح بأن مسلكه مسلك إضلال وإغواء لمن شرفهم الله تبارك وتعالى من آدم وذريته، قال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وقد كان يعلم حينما أَذِنَ الله تبارك وتعالى للملائكة بخلق آدم أن المقصود أن يكون آدم خليفة في الأرض، فذريته ستكون فيها خلافة، يَخلُفُ بعضُهم بعضًا، وأن هذه الخلافة ستكون في الأرض، ولذلك قطع على نفسه هذا الوعد فقال: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
فكان الرد – هذا ليس بدعاء، لم يكن بدعاء أو طلب تقدم به إلى الله تبارك وتعالى، وإنما كان مجاهرة بعداوته وبما له من الإغواء والإضلال – فكان الرد من الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
الآن من هذا الجواب نستشف الكثير من الحِكَم في خلق إبليس، وفي الإنظار له، وفي تمكينه من إنجاز وعده على من سُلِّطَ عليهم؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، فهذه هي المسألة التي يُسأل عنها الآن، وإنما كان ما تقدم من لوازم التوضيح والتصحيح لما ورد في السؤال.
فما الحكمة من خلق إبليس؟ سؤال تناوله علماء الإسلام كثيرًا، وأكثروا فيه وبسطوا، وأتَوا بأجوبة كثيرة لها وجاهتها وقبولها، ويمكن لي أن ألخِّص ما يسعفنا به الوقت والذاكرة الآن:
فالحكمة الأولى: هو أن الله تبارك وتعالى أراد من خلقه الإنس والجن الابتلاء والامتحان، فإبليس هو من ابتلاء الله عز وجل للعباد، ومن اختبارهم وامتحانهم؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، وحينما أُهبِطَ مع آدم وزوجه قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 38-39].
إذًا وجود إبليس من حكمته: أن حكمة الله تبارك وتعالى في خلق العباد المكلَّفين أنهم خُلِقوا للابتلاء والامتحان، هذا المعنى الأول.
المعنى الثاني أو الوجه الثاني: أن الأمر كله لله تبارك وتعالى، فهو الملك الحاكم الذي يدبِّر أمر هذا الكون وهذا الوجود وفق إرادته ومشيئته، لا كما يريد المخلوقون، فالله تبارك وتعالى يُظهر كمال مُلكه وتمام قدرته، فيتصرف في خلقه كيفما شاء، ليوقن العباد أن الأمر كله لله تبارك وتعالى.
والحكمة الثالثة: أن يُظهر الله عز وجل للعباد من المكلَّفين أن رحمته أوسع، وأن حِلمه أسبق، وأنه يُمهل ويُنظِر لحكمته وعدله من شاء، فيبعث ذلك فيهم الرجاء والإقبال بالتوبة والاستغفار والإنابة، كما فعل أبوهم آدم عليه السلام.
ويضاف إليها – أي حكمة أخرى تتعلق بهذا – أن يعتبروا من موقف إبليس، فإن إبليس أبى واستكبر، فأذلَّه الله عز وجل، وجعله في موضع التحـقير والإهانة، فإنذاره لم يكن إنذار تكريم، هو يعلم أن المُكرَّم هو آدم، والذي شُرِّف بالخلافة في الأرض هو آدم وذريته، أما هو فمطرود من رحمة الله عز وجل، مهين ذليل؛ ولذلك: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، هناك أضافهم إلى نفسه تشريفًا: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾، ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، وهؤلاء الذين يتبعون وُصِفَهم الله تبارك وتعالى بأنهم من الغاوين، وهذه حكمة أخرى.
وحكمة رابعة أو خامسة الآن: ليُظهر الله تبارك وتعالى مراتب كمالات العبودية له جل وعلا لأنبيائه وأوليائه من المتقين ومن المخلِصين، فإن هناك مراتب للعبودية، وبقدر ما يجاهد المكلَّفُ – العبدُ – ما يجاهد الشيطانَ، ويستعيذ بالله منه، ويترفَّع عن وساوسه، فإنه يترقى في مراتب الكمال هذه، ولذلك يتفاوت العباد؛ فمنهم من يكون في الحد الأدنى، ومنهم من يبلغ درجة الصديقين والشهداء والصالحين الذين يكونون مع النبيين، كما قال الله تبارك وتعالى، فهذه حكمة أخرى.
ومن الحكم التي أيضًا ذكرها أهل العلم: بيانُ محاسن العبودية والطاعة لله تبارك وتعالى بإظهار الضد؛ فإن كمال الضد إنما يظهر بالصورة المقابلة له، فبإظهار منزلة إبليس وما استحقه من إهانة وإذلال وتحقير؛ يمكن للطائعين المخلِصين لله تبارك وتعالى أن تتبيَّن منازلهم؛ فالله عز وجل يقول: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179]، هذا لا يظهر إلا بمثل هذه الصورة المقابلة بإظهار الضد؛ ولذلك نجد أن هذا الكون قد أقامه الله تبارك وتعالى على هذه الصور المتضادَّة؛ حتى يتميَّز أهلُ الصلاح من أهل الفساد، ويتمـيَّز أهل الطاعة من أهل الغي والضلال، ويتميَّز الخير من الشر، والصلاح من الفساد، فلا بد من وجود الشر، لا بد من أن يظهر للعباد علوُّ مراتب الخير والصلاح بالكشف لهم عن الصورة المضادة المقابلة التي تتمثَّل في إبليس وما يحمله أو ينطوي عليه من فعل الشر، ومن الإغواء والإضلال للعباد.
ومن الحِكَم أيضًا: أن يظهر الله تبارك وتعالى لعباده حِكمتَه في إظهار ما يمكن أن يحملوا عليه أنفسهم من القرب من الله تبارك وتعالى بالتقوى والإخلاص واليقين والتوكُّل والرضا؛ أي من المعاني المعنوية النفسية ليستعينوا بها على أمر الله تبارك وتعالى، وليجاهدوا بها الشيطان ووساوسه.
إذًا هذه هي الوجوه التي تدور حولها تفسيرات أهل العلم فيما يتعلق بالحكمة من خلق إبليس، وهي كلها وجوه حسنة، يمكن الإطالة فيها والإطناب، ويمكن الاختصار والإيجاز، ولعل فيما اطَّلعتُ عليه من خير ما جُمِع في هذا الباب هو ما كتبه العلاَّمة ابن القيم في «شفاء العليل»، ذكر حول هذا الموضوع أكثر من عشرين وجهًا للحكمة من خلق الله تبارك وتعالى لإبليس، وهذه الوجوه التي ذكرها – كما قلت – تتلخَّص فيما تقدَّم، وإن كان غيره قد ذكر بعض ما قلته؛ لأن القضية تناولها أهل العلم كثيرًا، لكن قولهم يدور حول الذي تقدَّم.
والله أعلم.