مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

تزكية النفس والثقة بالنفس

هل يوجد فرق بين تزكية النفس في قوله تعالى (فلا تزكوا أنفسكم) وبين الثقة بالنفس، وما هو الضابط في استعمال هذا المصطلح؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. أما بعد، فإن مصطلح الثقة بالنفس ليس مصطلحًا شرعيًّا، وإنما هو تركيب اصطلاحي تواطأ عليه أهل هذا الزمان يستعملونه لمفاهيم يقصدونها. فإن نُظر إلى هذا التركيب الاصطلاحي في معنى ما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: 32]، ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، فإن كان يحمل هذا المصطلح، مصطلح الثقة بالنفس، ما يدعو إلى تزكية النفس بالرضا عنها، والاغترار بما تأتيه، وغضِّ الطرف عن عيوبها، أو أن يُسْرِعَ بما يأتي دون انتباه لما يمكن أن يُفسِد عليه عمله، نعم هناك تعارض؛ لأن معنى الآية الكريمة هو أن لا يُمتِعِن المرءُ نفسَه، وأن لا يبلُغ حدَّ الرضا عمَّا يعمله بحيث يُغْرِيه ذلك عن أداء الحقوق التي عليه، وتفتيش عيوب نفسه، ومراعاته الإخلاصَ لله تبارك وتعالى، وتحري ما يوافق شرع الله عز وجل. فبناءً على هذا نعم، يمكن –إذا كان المقصود هو غرسُ معانٍ يمكن أن تكون داخلةً في المنهي عنه– فإن هذا المصطلح في هذه الحالة يتعارض مع ما دلَّت عليه الآية الكريمة، ومع ما يُطلب من المسلم من أن يكون حذرًا من غوائل النفس ووساوسها، وما يمكن أن يزيِّنه الشيطان له من تزيين عمله فيراه حسنًا. ولكن نجد في كتاب الله عز وجل ما يمكن أن يكون مغنيًا عن مثل هذا المصطلح؛ فنحن نجد أن الله تبارك وتعالى خاطب بني إسرائيل بقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: 63]، وخاطب نبيَّه موسى عليه السلام بقوله: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: 145]، وخاطب يحيى عليه السلام بقوله: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12]. وفسَّر العلماء هذه الأوامر بأن المقصود بالقوة هنا قوةُ النفس؛ فهو التمثيل لحال العزم على العمل بمنتهى الجِدِّ والحرص، دون إبطاء أو تأخير ولا تساهل، دون ملل أو انقطاع عند الشدة؛ فهو توكُّلٌ على الله تبارك وتعالى، وأخذٌ بالأسباب. فـ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي دون تردد أو ضعف، هو إقبالٌ وعزمٌ على العمل، ومنتهى الجِدِّ في ذلك العمل بحزم، ودون تردد، ودون استسلام للظروف التي يمكن أن تصرفه عنه، وعن همِّه وقصده، وألا يُبطئ أو يتأخر أو يُهمِل، وألا يلتفت إلى الشواغل، لا يلتفت إلى ما يمكن أن يكون سببًا لقطعه عن مقصوده –حتى في الظروف الشديدة–؛ هذا هو معنى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾، ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾، ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾. فإن كان ما يتحدثون فيه عن الثقة بالنفس دائرًا حول هذه المعاني، فهذا موافقٌ لشرع الله تبارك وتعالى، وهذا مقصودٌ حسن، وليتهم يستبدلون بذلك اسمَ «الثقة بالنفس» ما شرحه لنا ربُّنا تبارك وتعالى في كتابه من مدلول هذه الأوامر بالقوة، أو بقوة الأنفس، بالعزم والحزم والإقبال والجِدِّ والاجتهاد والتوكل على الله تبارك وتعالى. إذًا لا مُشاحَّة في الاصطلاح، وإنما يُنظَر إلى ما ينطوي عليه ما يقوله هؤلاء الذين يُغرِسون أو يتحدثون أو يُدرِّبون على «الثقة بالنفس»؛ فإن كان –كما تقدَّم– دائرًا حول المعاني التي بيَّنتْها الآياتُ الكريمة في أمر الله عز وجل بأن يُؤخذ ما آتاه الله عز وجل بقوة، بقوة الأنفس، فذلك مطلوبٌ مرغوب، ولا ينبغي للمسلم أن يتوانى عنه أو أن يتأخر عنه. وإن كان ما يقولونه –فيما يتعلق بالثقة بالنفس– دائرًا حول معانٍ من التواكُل، وتزكيةِ هذه النفس عند الآخرين وعند الله تبارك وتعالى، والشعورِ بالرضا دون تفتيشٍ عن العيوب، ومحاسبةٍ للنفس، وحذَرٍ من مكائد الشيطان ووساوسه ووساوس النفس، فهذا ينبغي أن يُنتبَه إليه وأن يُحذَر منه. … إن كانت دائرةً حول هذه المعاني المقبولة المستحسنة فلا إشكال، لكن إن كان ستُفضي بهم إلى إصابتهم بقدرٍ من الغرور، أو عدمِ الالتفات إلى البحث في خفايا هذه النفس والوقوف عند عيوبها، فذلك محظور، فلا بد أن يُنتبَه. أنا على اطلاع أن عددًا من المدربين والمحاضرين لا يتركون هذه المصطلحات عائمةً دون تعريف، وإنما أرجو أن ينتبهوا إلى المعاني الشرعية؛ فإن كثيرًا من الناس أيضًا لا ينتبهون حينما يمرُّون على هذه الآيات، لا يعرفون ما المقصود: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾، وفي خطابه لموسى قال: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾، ما المقصود من ذلك؟ لو أنهم انتبهوا إلى هذه المعاني لأغنتهم عمَّا يتكلَّفونه فيما يتعلق بالثقة بالنفس. السؤال في غاية الأهمية؛ معرفة أن مثل هذه المنتجات دائمًا ما تكون في دولٍ وفي ثقافاتٍ مختلفة، والانتماءات متعدِّدة…
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢‏/١‏/٢٠٢٣👁 4 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - ليلة 9 جمادى الآخرة 1444 هـ

العقيدة

✦ فتاوى مشابهة

الجمع بين آيتي تزكية النفس

2 👁

كيف يجمع بين قوله تعالى فلا تزكوا أنفسكم وقوله قد أفلح من زكاها في مسألة تزكية النفس؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢١‏/٥‏/٢٠١٩

تعريف تزكية النفس

2 👁

ما الذي تذهبون إليه في تعريف التزكية، وهل لاستعمال لفظ التزكية في القرآن صور متعددة يجمعها مفهوم واحد أم ترد بمعان مختلفة؟

👤عبدالله بن سعيد المعمري
٣١‏/٥‏/٢٠١١

الثقة بالنفس عند الفتنة

3 👁

هل معنى ذلك أن الإنسان لا يجوز أن يعطي نفسه ثقة عند مواجهة مواقف الفتنة، مع أن بعض الناس يقول إنه واثق من نفسه ولن تؤثر فيه الفتنة؟

👤عبدالله بن سعيد المعمري
٢٧‏/٢‏/٢٠١٢

قواعد تزكية النفس

2 👁

ما هي القواعد الأساسية التي يسلكها الإنسان ليتمكن من تزكية نفسه قبل النزول إلى ميدان الحياة ومواجهة ابتلاءاتها؟

👤عبدالله بن سعيد المعمري
٣١‏/٥‏/٢٠١١

معاني التسبيح لتزكية النفس

1 👁

ما المعاني التي ينبغي للمسلم أن يستحضرها عند قوله سبحان الله وبحمده حتى يستفيد من التسبيح في تزكية نفسه؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢‏/١١‏/٢٠١٤

معنى فلا تزكوا أنفسكم

2 👁

ما الفرق بين تزكية النفس المطلوبة التي تتحدثون عنها، وبين النهي في قوله تعالى: فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى؟

👤عبدالله بن سعيد المعمري
٣١‏/٥‏/٢٠١١