⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
…ما هي ضوابط إسلامية المعرفة حتى يستفيد المسلمون أيضًا مما وصل إليه الآخرون في مجالاتٍ كثيرة؟
الذي أحوج ما تحتاج إليه هذه الأمة الآن هو أن تُمحِّص ما يَرِد إليها؛ فإن المعرفة رِفدٌ إنساني، والمسلم حقيقٌ أن يستفيد، وأن يتعرَّف على ما يجهله، أن يبحث عن المعرفة في مَظانِّها، على أن يعرض ذلك على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى الأصول والقِيَم والمبادئ التي عنده، ثم يستعمل ذلك فيما هو مشروعٌ من المقاصد، ويستعمل له ما هو مشروعٌ من الوسائل.
فليس مطلوبًا من المسلمين أن يكونوا سبَّاقين فيما يتعلق بالأمور الدنيا، وفيما يتعلق بالمعارف وأنواع الفنون والعلوم؛ فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما ورد عنه: همَّ أن ينهى عن الغِيلة، ثم قال: «فعلمتُ أن فارس والروم يفعلونه ولا يضرُّ الولد شيئًا»، فترك ما كان قد همَّ به؛ لأنه علِم، فبحث وسأل عمَّا لدى تلك الحضارات التي كانت أسبق في مجال الطب، فتبيَّن له أن ذلك لا يضرُّ بالولد، فترك ما كان قد همَّ به.
ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسل نفرًا من أصحابه يتعلَّمون لغات؛ لأنه تَرِد إليه رسائل، ولا يريد أن يطَّلع عليها عامَّة الناس، فانتخب بعضَ أصحابه ممن رأى فيهم القدرة والمَكْنة ليتعلم تلك اللغات، فيفهم ما يخاطبه به أهل تلك اللغات من حكام، ملوك، وعموم الناس، دون أن يكشف ذلك لغيره.
ويُقاس على ذلك كثيرٌ من الأمور التي أخذها أيضًا أصحابه من الخلفاء الراشدين، وممن جاء بعدهم رضوان الله تعالى عليهم، من الترتيبات الإدارية، والفنون العسكرية، وكثير من الصنائع التي استفادوها من غيرهم، لكنهم أضفَوْا عليها –أو عرَضوها أولًا– على عقيدتهم، وعلى أحكام دينهم، واستعملوا لها الوسائل التي أباحها الله تبارك وتعالى، وجعلها لخدمة الغايات المشروعة.
إذًا: الأصل، والوسيلة، والغاية، والمال؛ كلها لا بد أن تكون معتبرةً شرعًا، حتى يُقال بأن المسلم يستفيد من هذه المعارف التي تَرِد إليه من ثقافاتٍ مختلفة.
…
ليس مطلوبًا من المسلمين أن يكونوا سبَّاقين، أن يكونوا الأوائل في كل شيء، لكن لا دليل شرعيًّا على هذا؛ أمَّا أن يكونوا –فيما يتعلق بالتديُّن، وفيما يتعلق بالنهوض الحضاري بالمعنى الصحيح– نعم، هذا مطلوب، أمَّا أن يكونوا هم الأوائل في مختلف أنواع العلوم والمعارف ممَّا يحتاج إليه الناس، فلا دليل، بل إن تاريخ المسلمين يؤكد أنهم استفادوا في كثير من العلوم، في كثير من العلوم الطبيعية والإنسانية من حضاراتٍ أخرى، حضاراتٍ سبقتهم أو حضاراتٍ كانت معهم، واستفادوا منها كثيرًا، نقلوها إلى لغتهم العربية، ثم بعد ذلك زادوا عليها.
ليس مطلوبًا من المسلم أن يثبت دائمًا أنه الذي قد سبق في هذه المجالات والعلوم، قد سبق غيره؛ يأتي ويحاول أن يثبت ذلك، لا مانع أن يستفيد، لكن على أن يَعرِض ذلك على الأسس والمبادئ التي أشرتُ إليها.
والله تعالى أعلم.