مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

الاصطفاء والاجتباء

ما الفرق بين الاصطفاء والاجتباء في قوله تعالى: إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، وهل كان عمران عليه السلام نبياً؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، هذه ثلاث كلمات في كتاب الله عز وجل متقاربة المعنى: الاصطفاء، والاجتباء، والاختيار، نعم، وذكر بعض اللغويين أن الاصطفاء يُطلق على الاختيار مطلقاً، لكننا إذا رجعنا إلى جذور هذه المفردات سنجد أن بينها فروقاً، والصحيح أن هذه الفروق ملحوظة في كتاب الله عز وجل، نعم. فلْنعرف هذه الكلمات أولاً: الاصطفاء هو أخذُ الصَّفوة من الشيء، ولما يُقال الصفوة من الشيء فيُراد أن يكون خالصاً من أي شَوْب، خالصاً مما يمكن أن يشوبه، هذا المعنى اللغوي لِـ«صَفْو» الذي منه الاصطفاء، نعم. والاجتباء مأخوذ من الجمع والضم، يُقال «الجابية» الحفرة أو الحوض الذي يُجمع فيه الماء، في القرآن الكريم: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾، جمع «جابية»، والجابية الحفرة الصغيرة أو الحوض الذي يجتمع فيه الماء، فالجمعُ والضمُّ ملحوظ في معنى الاجتباء. والاختيار جذره يرجع إلى الخير، فانتقاءُ ما هو خير على الحقيقة أو عند مَن اختار –يعني إمَّا أن يكون الشيء خيراً حقيقة، أو أن يكون عند مَن اختار هو خيراً– نعم. إذاً الاصطفاء يُلحظ فيه معنى الخلوص من الشوائب، والاجتباء يُلحظ فيه معنى الضم والجمع، والاختيار يُلحظ فيه معنى الخيرية، بتلخيصٍ لكلام كثير ممَّن تكلَّم في غريب القرآن الكريم. في آل عمران قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾، هنا ذَكَر أسماءهم: آدم، وهو أبو البشر، نعم، اصطفاه الله عز وجل، اصطفاه، هنا نتذكر أنه اختيار أو تناول يحمل معنى الخلوص من الشوائب، ولا إشكال في تصوُّر ذلك في حقِّ أبينا آدم عليه السلام؛ لأنه أبو البشر، أول البشر على الإطلاق، فالله تبارك وتعالى صفَّاه ونقَّاه واختاره، هذا ثناء عليه في هذا السياق. ثم قال: ﴿وَنُوحًا﴾، نوحاً أيضاً سماه باسمه، ونوح عليه السلام هو الأب الثاني للبشر من بعد الطوفان، سواء قلنا بأن الطوفان كان عاماً أو كان لأكثر مَن في الأرض، فإن نوحاً عليه السلام هو الأب الثاني الذي من ذريته كانت بعد ذلك الأنبياءُ والمرسلون، وكانت الذرية الأكبر من بني البشر، على القول الثاني بأن الطوفان لم يَعُمَّ البشرَ كلَّهم في ذلك الوقت، وهو ليس محل البحث الآن، وإنما هذا بيان لما نجد في الآية الكريمة. ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾، قال: «وآلَ إبراهيم»، لم يقل: «وإبراهيم»، وإنما قال: «وآلَ إبراهيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ»، فالآن هم القرابة التي تمت إلى المذكورِ بعلاقةٍ وصِلات، فذكر إبراهيم عليه السلام بـ«الآل»؛ لأن إبراهيم –وهو أبو الأنبياء عليهم السلام– من ذريته وأحفاده وأسباطه كثيرٌ من الأنبياء والمرسلين، ولذلك لم يقتصر على أن يُذكَر بنفسه كما هو الشأن في نوح وآدم؛ فهناك ليس هناك أنبياء ورسل معلومون مسمَّون من ينتسبون إلى نوح عليه السلام أو إلى آدم. أمَّا إبراهيم، فقد سمَّى الله عز وجل لنا مَن هم من الأنبياء والرسل من ذريته، ولذلك قال: ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾، ثم قال: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾، أيضاً آل عمران، الآل هم القرابة. ومن هو عمران؟ ذكر المفسرون شخصين باسم عمران: عمران الذي هو والد موسى وهارون عليهما السلام، نعم، وقد وردت روايات أن والد موسى عليه السلام هو عمران، فهو موسى بن عمران، وأخوه هارون بن عمران، وهذا… والآخر هو عمران والد مريم ابنة عمران، والأقرب هو هذا القول الثاني؛ لأن السياق في سورة آل عمران يمهد ويُوطِّئ لذكر قصة مريم عليها السلام والمسيح عيسى ابن مريم. ونحن إذا نظرنا… نعم، صحيح أن عمران والد موسى وهارون يصدق عليه أيضاً أنه «آل عمران»؛ لوجود شخصيات لا ينتبه بعض الناس إليها: هارون مثلاً، أولاً موسى، نعم، وهارون، ثم أم موسى التي كان من موقفها ما كان، وقد أوحى الله تبارك وتعالى إليها أن تضع وليدها هذا في التابوت، وأن تُلقي التابوت في اليم، فكان منها ما كان مما يثبت استحقاقها لهذه المنزلة العظيمة، وأخته التي أمرتها أمها أن تَقُصَّ أثرَ التابوت في اليم، وكان منها ذلك الموقف النبيل الذي هيَّأ لموسى أن يرجع إلى أمه لترضِعه من بعد، إذاً فقصة موسى عليه السلام –وإن كان لا ذِكرَ لوالده فيها– لكن هذه الشخصيات الموجودة في قصة موسى عليه السلام تدل على أن آلَ عمران كان لهم شأنٌ. ويدل على ذلك أيضاً ما ورد في قصة عمران والد مريم؛ لأن امرأته حينما أتت بعيسى عليه السلام تحمله عاتبها قومُها بقولهم لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾، قيل: إنها من نسل هارون عليه السلام، وقيل: كان لها أخٌ له شأن في ملَّتهم اسمه هارون، وكانوا يسمُّون بأسماء أنبيائهم ورسلهم، نعم، فهذا أيضاً يؤكد هذا المعنى، لكن الأقرب أن المقصود بعمران: والد مريم، نعم. وهنا أيضاً نجد شخصياتٍ تفسِّر لنا سرَّ استعمال كلمة «الآل» في هذا السياق: آل عمران؛ فأولاً امرأة عمران، نعم؛ لأنَّها دعت ربَّها فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾، هذا يدل على علوِّ منزلتها ومكانتها، نعم، ثم مريم عليها السلام ابنة عمران، وهي أم المسيح عيسى عليه السلام، فهو من آل عمران من جهة أمه. وورد أيضاً في حديث صحيح أن يحيى ابنُ خالتِه، وعلى هذا فزكريا هو زوج أخت مريم عليها السلام، ولذلك يكون عندنا في هذا الآل: زكريا، ويحيى، وامرأة زكريا أم يحيى عليه السلام؛ فهذه أسرة مباركة، ولها منزلة عظيمة، ومن ذريتها قبل نبينا –وفيها عيسى عليه السلام، وفيها كما تقدَّم يحيى، وفيها زكريا، وفيها عمران نفسه، وفيها مريم، وفيها امرأة عمران– كل هؤلاء مشهود لهم بالفضل والثناء والمنزلة العالية الرفيعة، إمَّا تصريحاً في كتاب الله عز وجل، وإمَّا تَلويحاً من خلال ذِكر أوصافهم. وهنا لطيفة أيضاً ترد على من يزعم أن «الآل» لا يدخل فيه الأزواج؛ فهذه الآية الكريمة بذكر آل عمران، ودخول امرأة عمران، ودخول مريم ابنة عمران عليها السلام، تدل على أن «الآل» تشمل أهل الرجل وأزواجه، بل هم مقصودون بالأصالة، وهذا معنى آخر يُضاف إلى ما تقدَّم. إذاً هذا السياق في سورة آل عمران يدل على اصطفاء الله تبارك وتعالى لهؤلاء المذكورين بهذه المنزلة، بما أكرمهم به من أمر النبوة والوحي، وبوَّأهم إياه من أمر الدعوة إليه سبحانه وتعالى وهداية الناس، وما أكرمهم به أيضاً من أحوالٍ فيها من الشرف، وفيها من المكانة ما لا مزيد عليه. وفي الآية الأخرى –في الأنعام– قلنا: إن الاجتباء يعني معنى الضم باختصار شديد، معنى الجمع والضم؛ ولذلك فكان الله تبارك وتعالى حينما ذكر الأنبياء والمرسلين في ذلك السياق القرآني الكريم يذكر أنه ضمَّهم إلى خاصَّته، نعم، ممن بوَّأهم هذه المنزلة. هناك معنى آخر؛ لأن الاجتباء من «الجِبَاية»، وفيه معنى الجباية، نعم، والجباية أيضاً هي ضمٌّ، لكنها تحمل معنى التكليف، نعم، فإذاً بعض السياقات التي يرد فيها «الاجتباء» تحمل معنى ما كُلِّفوا به، في مقابل ما بوِّئوا إياه حينما ضمَّهم الله تبارك وتعالى وجمعهم إلى خاصَّته من الأنبياء والمرسلين. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٣‏/٤‏/٢٠٢٢👁 3 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - 1 رمضان 1443 هـ

القران الكريمسيرة الأنبياء

✦ فتاوى مشابهة

الاصطفاء والاجتباء

2 👁

كيف يظلم من اصطفاه الله نفسه في قوله تعالى ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، وما الفرق بين الاصطفاء والاجتباء؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٧‏/٩‏/٢٠٢٠

كيفية بعث الأنبياء

4 👁

هل يكون بعث الأنبياء عن طريق الاصطفاء منذ الصغر أو قبل الولادة، أم بسبب أعمال قاموا بها فاستحقوا بها النبوة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٥‏/٥‏/٢٠٢٠

التوفيق بين آيتي الهبوط

2 👁

كيف نوفق بين قوله تعالى عن جعل آدم خليفة في الأرض وبين أمره بالهبوط من الجنة بعد وسوسة الشيطان، وهل لو لم تحصل الوسوسة لبقي في الجنة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٤‏/٤‏/٢٠٢١

سبب اصطفاء مريم

2 👁

لماذا اصطفى الله تعالى مريم عليها السلام على نساء العالمين، وهل هذا الاصطفاء مطلق أو في زمنها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٥‏/٦‏/٢٠١٨

التوفيق بين آيتين لآدم

2 👁

كيف نوفق بين قوله تعالى عن جعل آدم خليفة في الأرض وبين أمره بالهبوط بعد وسوسة الشيطان، وهل لو لم يوسوس له لبقي في الجنة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٤‏/٤‏/٢٠٢١

سبب اصطفاء مريم

2 👁

لماذا اصطفى الله تعالى مريم عليها السلام على نساء العالمين، وهل هذا الاصطفاء مطلق؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠