⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
المسلمون بطبيعة الحال هم اليوم مستهدَفون، وهم مجنيٌّ عليهم، وللأسف الشديد هم يتجرّعون كؤوس الظلم من قبل الآخرين، ودائماً يكونون معرَّضين لمثل هذه الأحوال.
لا ريب أن الظلم –كيفما كان، من أي جهة كان– هو ممقوت، ممقوت بالفطرة، وممقوت بالشرع، فإن الله سبحانه وتعالى جعل شريعته منسجمةً مع الفطرة السوية التي فطر الناس عليها، والله سبحانه أنزل في كتابه التحذير من العدوان حتى في الوقت الذي تثور فيه العواطف الرعناء، وتتأجج فيه مشاعر الحقد، ويتلظّى فيه الحماس، فإن الإنسان مأمور بضبط النفس في مثل هذه المواقف.
فالله تعالى عندما أباح القتال، أباح القتال لردّ العدوان، لردّ الظلم، لا لشنّ العدوان على الناس؛ يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]. نرى كيف هذا الأدب الرباني الذي يؤدِّب به الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين في هذه المواقف التي تثور فيها العواطف، ويَزيد فيها الحماس، ويفقد الناس فيها توازنهم؛ نجد أن الله سبحانه وتعالى في هذه المواقف يدعو إلى الاستبصار بنور الهدى، ويدعو إلى كبح النفس، وعدم الاندفاع وراء رغباتها الجامحة في الانتقام من الآخرين، ويأمر بأن يُحصَر القتال في سبيل الله، وألا يكون إلا للذي يقاتل عدواناً وظلماً، لرد عدوانه وظلمه، ثم مع ذلك يحذّر الله سبحانه وتعالى من الاعتداء؛ لأنه لا يحب المعتدين.
وهذا ما ينادي به الإسلام، عكس ما ينادي به أولئك الذين يبيحون لأنفسهم –من أجل ما يتصورونه من أن في هذا العدوان دفاعاً عن النفس– ما لا يبيحه لهم شرع الله؛ فزعمهم أن هذا دفاع عن النفس ليس هو دفاعاً عن النفس، إنما هو عدوان، والعدوان محرَّم.
على أن الله سبحانه وتعالى –كما نجد– يحذّر من عاقبة الحرب التي يؤول أمرها إلى الفساد في الأرض، إلى قتل الأطفال، إلى قتل النساء، إلى قتل الشيوخ، إلى قتل الأبرياء الذين لا شأن لهم في الحرب، ولم يشنّوا حرباً على أحد؛ الله سبحانه وتعالى يحذّر من حرب تؤدي إلى مثل ذلك، إذ إن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: 25]؛ فوجود أولئك هو الذي جعله الله سبحانه وتعالى حاجزاً من أن يشنّ المسلمون على الآخرين غارةً شعواء ليقضوا على عدوان عدوِّهم، لكن وجود هؤلاء الأبرياء ما بين الأعداء هو الذي جعله الله سبحانه وتعالى حائلاً دون تنفيذ هذا الأمر.
فإذاً على الناس أن يدركوا ذلك؛ فبالنسبة إلى المسلمين عليهم أن يجمعوا كلمتهم، أن يرصّوا صفَّهم، وأن يحرصوا على تطبيق الحق في أنفسهم؛ بحيث يُوجِدون نَفْس العدل فيما بينهم في أنفسهم وفيما بينهم وبين غيرهم، حتى لا يكون هنالك عدوان من جهة أحد من المسلمين؛ فإن الله تعالى حرّم العدوان، بل أمر الله تعالى بالعدل حتى مع أشد الناس عداوة؛ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]، فالإنسان مأمور بالعدل حتى مع أشد الناس عداوةً للذين آمنوا.
وهذا العدل سواء في السلم أو في الحرب؛ لا تُشن حرب من أجل الظلم، والحرب لا تبيح العدوان على الناس، ولا تبيح انتهاك الحرمات، بل تظل الحرمات محفوظةً، محميةً، مصونةً، ذلك هو شرع الله سبحانه وتعالى.
بالنسبة إلى غير المؤمنين نحن ندعوهم إلى الاستبصار، وإلى التأمل في هذه القيم، وإلى الاحتكام إلى العقل، ونحن مع هذا نحيي جميع الذين وقفوا في هذه الأيام ضد الظلم، ووقفوا مع المظلومين، وندّدوا بالظلم؛ فإن هذه مواقف إنسانية يُشكر أهلها، والإسلام يأمرنا بشكر كل من أحسن أيّاً كان، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله.
والله تعالى أعلم.