⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، قضية الإتيان هذه كان فيها الأخذ والرد والقيل والقال بين المفسرين، وقد تزاحمت فيها الآراء، ومنهم من اشتط حتى قال: بأن الله يأتي إتيانًا حقيقيًا، إتيان انتقال.
وأنا أريد قبل أن أدخل في هذا الأمر أن أمهِّد بهذا الأمر؛ بأن أقول: بأن الإتيان الذي هو انتقال من مكان إلى مكان، أو أيُّ شيء فيه تحوُّلٌ للحال من حال إلى حال، كل من ذلك يستحيل على الله، علينا أن ندرك هذا الأمر، وعلينا أن نردَّ المتشابهات إلى المحكمات؛ فالمتشابهات هي سببٌ لضلال العقول وانحراف الأفكار، ووقوع الناس في الفتنة والعياذ بالله.
ومن المحكمات التي هي أصل لهذا الأمر القصة التي حكاها الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه السلام في محاجَّته لقومه؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 75-79].
إبراهيم عليه السلام ما كان بأي حال من الأحوال يعتقد غير الحق، وإنما ألهمه الله سبحانه وتعالى محاورة قومه بما يقنعهم، ويستنزف –على رغم أنوفهم– الاعتقادَ الباطل من قلوبهم وإن أبوا، بحيث يبصرونه وإن كانوا آبين لقبوله.
إبراهيم عليه السلام في قوله: هذا ربي، ما كان معتقدًا لربوبية الكوكب، ولا ربوبية القمر، ولا ربوبية الشمس، وإنما كان أولئك القوم يؤلِّهون هذه الأجرام الفلكية، فكانوا يعبدونها من دون الله سبحانه وتعالى، وقد أراد إبراهيم أن يقيم عليهم الحجة بأن هذه متغيرات تطرأ عليها الأحوال، وتتحول من حال إلى حال، وكل ما يطرأ عليه ما يطرأ من الأحوال لا يمكن أن يكون إلهًا؛ فلذلك لما أفل الكوكب قال: لا أحب الآفلين، مع أن الكوكب بأفوله لم يمح أثره ولم يذهب جرمه، وإنما وراه الأفق، وكما هو معلوم وراه الأفق بسبب حركة الأرض، ولكن لما طرأت عليه حالة اختفى فيها بعد ما كان ظاهرًا أقام إبراهيم حجة بذلك على قومه بأن هذا الكوكب لا يمكن أن يكون إلهًا؛ لأنه طرأ عليه من الأحوال ما طرأ، وكل ما طرأ عليه من الأحوال ما يطرأ لا يمكن أن يكون إلهًا؛ الإله لا تجري عليه الأحوال ولا تتبدل من حال إلى حال، لأن المتغيرات كلها مخلوقات غير إله.
وكذلك بالنسبة إلى الشمس وبالنسبة إلى القمر، فكل من ذلك إنما أسقط إبراهيم عليه السلام ألوهيته بما يظهر من تبدل أحواله من حال إلى حال.
والله سبحانه وتعالى أيَّده، قال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 83]. هذه حجة الله تعالى التي أجراها على لسان عبده إبراهيم ليبيِّن بذلك عدم ربوبية شيء من ذلك.
فإذا ثبت عندنا بأن إبراهيم أقام على قومه هذه الحجة من خلال طبيعة هذه النيرات وما يطرأ عليها من الأحوال بحيث تتحول من حال إلى حال مع بقاء أجرامها كما هي، الأجرام لم تتغير؛ فكيف يمكن أن يكون الله سبحانه وتعالى متصفًا بهذه الحالة التي أسقط بها إبراهيم ألوهية هذه الأجرام الفلكية؟ كيف يكون الله تعالى متصفًا بهذه الحالة؟ هذا من المستحيل؛ فإذا الإله لا يتغير، ولا يجري عليه أيُّ حالٍ من الأحوال؛ لأنه كان قبل خلق أي شيء، وهو الآن على ما عليه كان، لم يؤثر عليه خلق المخلوقات تغيرًا في ذاته ولا تغيرًا في صفته.
لننظر؛ الله سبحانه وتعالى عندما قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: 210]، منهم من قال: بأن هؤلاء يهود الذين يتحدث عنهم، من المفسرين من قال هذا الكلام؛ نعم، هؤلاء يهود، واليهود يقيدون هذا الاعتقاد لأنهم مجسمة، فإذا ليس هناك ما يُشكل.
ولكن نحن لو جئنا إلى نصوص القرآن الأخرى لوجدنا ما أسند المجيء يوم القيامة إلى الله أيضًا، كما في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22]؛ فإذًا على ماذا نحمل هذه الآية وأمثالها، هذه الآيات التي فيها ذكر المجيء وهو مسند إلى الله سبحانه وتعالى؟ على ماذا يُحمل؟ لا ريب أننا إذا أردنا أن نستلهم معنى ذلك فعلينا أن ننظر فيما يسلم الكل –إلا من شذ– بأن المجيء ليس هو مجيء ذات، أو مجيء حقيقة الذات الإلهية.
الله سبحانه وتعالى عندما ذكر المعركة التي كانت بين اليهود وبين المسلمين، ماذا قال؟ قال: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: 2]، نعم: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾؛ ما معنى إتيان الله لهم من حيث لم يحتسبوا؟ هل معنى ذلك أنه أتاهم بذاته؟ لا، المفسرون قالوا: لا، وإلا للزم أن يكون الله تعالى أتى إلى المدينة ليهزم هؤلاء اليهود الذين كانوا يحاربون الإسلام والمسلمين من طريق لم يفكروا أن الله تعالى سيأتيهم من ذلك الطريق.
لو أخذنا بظاهر الآية الكريمة، لو جئنا إلى المفسرين بالمأثور مثل ابن جرير الطبري، وكذلك من جاء من بعده من أمثال ابن كثير، وكذلك ابن أبي حاتم قبل ابن كثير، هؤلاء مفسرون بالمأثور، كلهم أطبقوا في نقولهم عن السلف بأن المجيء هنا إنما هو ما قدَّره الله سبحانه وتعالى على أولئك اليهود من الهزيمة؛ فهذا هو المجيء، وليس هو مجيء انتقال للذات العلية من مكان إلى مكان؛ لأن الله كان في مكان آخر ثم أتى إلى المدينة المنورة، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
ونحن نرى الآيات المشابهة لهذا في كثير من تعبيرها ما يؤكد على أن المجيء في مثل هذا إنما هو مجيء أمر الله سبحانه وتعالى الذي لم يحسبوا له حسابًا، وإذا بهذا الأمر يفاجئهم بما ينقض جميع حساباتهم، فإذا هم واقعون في الهزيمة بعد ما كانوا لا يحسبون للهزيمة حسابًا، وإنما كل ما يحسبونه إنما هو للنصر، وإذا بأوراقهم تتبدل من حال إلى حال، ويجدون خلاف ما كانوا يتصورونه، يأتيهم أمر لم يتوقعوه.
فإذاً مجيء الله تعالى يوم القيامة إنما هو مجيء أمره، مجيء أمره.
وأما قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾؛ فمعنى ذلك: أمرُ الله يأتي من خلال هذه الظلل التي يكون بها هلاك هؤلاء في آخر المطاف عندما تقوم القيامة، كما يؤذن بذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: 25]، تشقق السماء بالغمام، فهذا إنما هو وصفٌ لأحوال يوم القيامة؛ فإتيان الله إنما هو في ظلل من الغمام بحيث إن هذه الظلل تكون مهلكةً لهؤلاء.