⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذه المنطقة التي تشيرون إليها، وهي منطقة حوض بحر المتوسط ومنطقة الهلال الخصيب والبلاد العربية، هي مهد الرسالات؛ بُعث فيها أغلب أنبياء الله ورسله الكرام عليهم الصلاة والسلام كما نفهم من كتاب الله عز وجل، ثم إن فيها الأماكن المقدسة: فيها بيت الله الحرام، فيها الكعبة المشرَّفة، وفيها المسجد الأقصى، وهذه – يعني الكعبة المشرفة – هي أول بيت وضعه الله سبحانه وتعالى للناس: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾، ثم كما ثبت أيضًا في السنة كان بعده بناء المسجد الأقصى، وحسب الرواية فإن بينهما أربعين عاما.
الحاصل أن هذه المنطقة التي تشيرون إليها، وهي التي تُعرَف عند المؤرخين والجغرافيين تُعرَف بالعالم القديم، قارات العالم القديم، هي التي كانت مركز التجمُّع، تجمع التجمعات البشرية الإنسانية، ولأجل ذلك كانت مَهدَ رسالات الله عز وجل، ولأنها شهدت قيادات الأمم والحضارات؛ فالحضارات الرومانية، والحضارة الفارسية، وحضارات البابليين، وحضارات الكلدانيين، وبلاد كنعان، والبلاد العربية، كلها في هذا المحيط الجغرافي.
لكن مع ذلك، بتتبُّع آيات الكتاب العزيز، لاسيما مع ما أتاحته اليوم علوم الآثار وعلوم حضارة الإنسان – الأنثروبولوجيا – نجد أن هناك قصصًا لمشاهد حصلت خارج هذا المحيط الجغرافي؛ على سبيل المثال – وإن كان هذا سيكون استطرادًا لكن عسى أن يكون استطرادًا نافعًا – قصة ذي القرنين، نعم، فيها الكثير من العبر والعظات، وفيها أيضًا مما يتصل بموضوعنا من عوامل بناء الحضارات وأسباب هدم هذه الحضارات، أخذت مكانًا في شمال بلاد فارس، بل إن بعض علماء الآثار يرون أنها امتدت إلى شمال بلاد أوروبا، شمال تركيا، حتى وصلت إلى ما كان يُعرَف عند العرب ببلاد البلقان، ووجد في هذه البلدان، في هذه المناطق الشمالية – بعض المؤرخين يعني يوصلها إلى حدود البلاد الاسكندنافية التي نعرفها نحن اليوم – نعم، وُجدت آثار لأتباع ملل سماوية؛ فيهود الخَزَر – على سبيل المثال – هم في المنطقة التي تاريخيًّا هي في البلاد التي نعرفها نحن اليوم بروسيا، ولذلك اهتم أيضًا المؤرخون الروس بقصة ذي القرنين، وبما كتبه المؤرخون المسلمون عن مسيرة هذا الرجل الذي قصّ علينا القرآن الكريم قصته.
وبالمناسبة، يعني هذه القصة كما قلت فيها الكثير مما يتصل بموضوعنا سنأتي إليه إن شاء الله، لكن يمكن أن نستلهم منها – بدايةً – من خلال سؤال اليهود عن ذي القرنين ما يؤكد هذا الذي تقدم؛ لأن اليهود ما سألوا عن ذي القرنين إلا وهم يعرفون أن قصته غير معروفة في الثقافة العربية، هي غير معروفة لدى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا لدى قومه، وإنما هي معروفة عندهم هم، وما سألوا عنه إلا وله شأن في تاريخهم، وهو بعيد عن المحيط الجغرافي الذي اعتاد أيضًا أهل مكة وأهل بلاد الحجاز أن يسافروا ويهاجروا إليه في رحلاتهم، لاسيما في رحلة الشتاء، رحلتي الشتاء والصيف، فهذا يؤكد أنه هناك حوادث قصها لنا القرآن الكريم – وهذا مثال واحد – هي خارج هذا المحيط الجغرافي.
ولا يبعد أيضًا أن تكون هناك من العبر والعظات لأقوام، أقوام أنبياء ورسل ما ذكر الله سبحانه وتعالى لنا تفاصيل سيرهم ومواقفهم مع أقوامهم، وقد يكونون في بقاع شتى من هذا العالم.