⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لم يرد في القرآن الكريم مصطلح الحضارة بالمفهوم الذي نتناوله نحن اليوم أو الذي يتناوله الكُتّاب المعاصرون أو القدماء منهم، لم يرد هذا المصطلح في القرآن الكريم، لكن ما نعرفه نحن اليوم عن معنى الحضارة موجود بأصله في كتاب الله عز وجل.
وهذا الوجود في سياقات مختلفة في القرآن الكريم يجعلنا ندرك المعاني الحقيقية للحضارة الصحيحة التي ينبغي للإنسان أن ينشدها وأن يسعى إليها.
حينما نتأمل في قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]، هذا المثال الذي يضربه لنا ربنا تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة هو تعبير عن حالة حياة لقرية، لأمة من الأمم أو شعب من الشعوب في بقعة من الأرض، ويريد الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن يصور المستوى المعيشي لهذه القرية على أحسن ما يُتصوَّر.
ولذلك ذكر في الآية الكريمة ثلاثة عناصر، ويمكن لنا أن نستلهم من هذه العناصر الثلاثة المفهوم الصحيح لمظاهر الحضارة: كانت آمنة، فإذا هناك أمن وأمان، هذا الأمن بمفهومه الواسع الذي يعني الأمن على الأنفس، وعلى الأعراض، وعلى الممتلكات، الأمن الفردي، والأمن الجماعي، وأمن الأمة بشكل عام، الأمن الداخلي المعبر عنه بالطمأنينة، إذًا السكون والاستقرار النفسي، والطمأنينة وراحة البال هي العنصر الثاني بعد الأمن والأمان العام الفردي والمجتمعي: ﴿كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً﴾، ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ﴾، فإذا رغد العيش غير المتكلف هو مظهر من مظاهر الاستقرار الحضاري الذي يضربه الله سبحانه وتعالى لنا مثلًا بهذه القرية لكي تكون لنا عبرة في عوامل قيام الحضارات أو عوامل انهيار الحضارات.
لكن هذه هي المظاهر، وهذا يذكرنا لذلك لما نزع الله سبحانه وتعالى عن هذه القرية هذه المظاهر، هذا الرغد من العيش، ذلك الأمان والاستقرار والطمأنينة قال: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾، وهذا نجده أيضًا في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 3-4]، فالامتنان في هذه الآية الكريمة بأبرز النعم التي كان يتقلب فيها أهل مكة وهي الأمن من الخوف، والأمن من الجوع: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾، فهذا يؤكد نفس المعنى الذي ورد في آية سورة النحل: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً﴾.
إذًا هذا المستوى المعيشي قد يتحقق في المدن والقرى كما يتحقق في حياة البادية أيضًا، إذًا المستوى المعيشي –سواء اقتصر على ضرورات الحياة أو تجاوزها إلى الحاجيات والتحسينيّات وإلى وسائل الرفاهية ورغد العيش– يمكن أن يكون متحضرًا أو آخذًا بنصيب وحظ من الحضارة، قد يعلو وقد ينخفض هذا المستوى.
لكننا نتصور الحضارة في مظاهرها –بحسب الاستخدام القرآني– في هذه المظاهر المادية التي تُرى للعيان والتي تعكس حقيقة ما عليه المجتمع؛ لأنه لو كان هناك رخاء اقتصادي –وهذا لما نقول: رغد العيش، هو يعني رخاء اقتصادي نامٍ متطور– لأن الله سبحانه وتعالى استُعمل في الآية: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا﴾، لا يزال يأتيها رزقها رغدًا، وهذا يعكس حالة من ماذا؟ من واقع تعيشه هذه القرية من الإنتاج، والصناعة، والتفاعل مع الأسباب المادية والأسباب الدينية التي تمكن هذه القرية من بلوغ هذا المستوى من الأمان، والطمأنينة، ورغد العيش.
ونفس ما يقال في هذه الآية يقال في ما قصَّه لنا الله سبحانه وتعالى من قصة أهل سبأ، لما كانوا أيضًا في رغد من العيش، وقال الله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: 15]، فأعرضوا، فبدلنا بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل، إلى آخر الآيات الكريمة.
ويعني لو توسعنا قليلاً وتناولنا أيضًا سياقات أخرى يذكر لنا فيها القرآن الكريم ما يتصل بما نعرفه نحن اليوم، ما نتحدث عنه من معاني الحضارة، لوجدنا سياقات عديدة جدًّا: حينما يقصّ لنا قصص القرى الغابرة، والقرون الأولى، والآثار التي تركوها، حينما يدعونا إلى أن ننظر ونتأمل وأن نسبر أغوار هذه القرون الغابرة، وأن نستفيد ونعتبر ونتعظ مما أصابها، ويذكر لنا الآثار الباقية: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: 25-26] إلى آخر الآيات الكريمة، ويعني ما يقصه لنا الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ [الفجر: 6-10]، إلى آخر السياقات العديدة التي أينما يقلب القارئ لكتاب الله عز وجل ناظريه يجد سياقات عديدة وآيات متوالية تحكي لنا قصص هذه القرون الغابرة، ما مكَّنهم منه ربنا تبارك وتعالى من إمكانيات مادية، وما بلغوه من مستوى عمراني ومادي، ثم يذكر لنا ما قابلوا به الأنبياء والمرسلين، ما قابلوا به الوحي الإلهي المنزل على أنبيائهم ورسلهم، ثم ما كانت عاقبة ذلك –سواء كان إعراضًا أو استجابةً.