⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن للطلاق ألفاظا مخصوصة، والله سبحانه وتعالى حينما أذن لعباده بالطلاق فإنه جعل للطلاق آدابا وضوابط، جعل للطلاق أحكاما على المطلق أن يتقيد بها، ومن هذه الأحكام ما يتعلق بالألفاظ.
فالألفاظ تنقسم إلى قسمين: ألفاظ صريحة، بمعنى أنها وُضِعت للدلالة أصلا على فك عُرى الزوجية، وهناك ألفاظ لا تدل صراحة على الطلاق، وإنما يُشترط فيها أن تُصْحَبَها نية، فاللفظ يحتمل الدلالة على غير الطلاق كما يحتمل الدلالة على الطلاق أيضا، ولذلك فإن مثل هذه الألفاظ هي ألفاظ كِنائية، هي من كنايات الطلاق، ولا بد عندها من أن يصحبها نية عند المطلق، عند المتكلِّم.
والسبب في التفريق بين الألفاظ الصريحة والألفاظ الكِنائية أن الألفاظ الصريحة لا تحتاج إلى نية؛ لأنها وُضِعت لهذا الغرض أصلا، وأما غيرها من الألفاظ فإنها لم توضع لهذه المعاني، أي لمعاني الفراق حقيقة، وإنما تشتمل على معنى الفراق وبتِّ العلاقة الزوجية من طريق المجاز.
ومن الألفاظ الصريحة المتفق عليها لفظة «الطلاق»، فإذا أنشأ المتحدث الطلاق بكلمة «الطلاق» فهذا مما لا يحتاج أن يُسأل عن نيته فيه؛ لأنها أصرح لفظة في إنشاء الطلاق، وهي التي استخدمها القرآن الكريم؛ فالله عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 231].
واختلف في غيرها من الألفاظ كلفظ المفارقة، ولفظ التسريح؛ فإذا استخدم الرجل إحدى هاتين اللفظتين فهل يعد ذلك من الألفاظ الصريحة أم من الكنايات؟ وهذان اللفظان، لفظ المفارقة ولفظ التسريح، مذهب أكثر العلماء أنهما من باب الصريح، وذهب بعضهم – وهم الأقل – إلى أنهما أيضا من الكنايات، ومن العلماء من يرى أن للعرف دورا في صرف اللفظ إلى كونه لفظا صريحا إن لم يكن موضوعا بالأصل للدلالة على الطلاق صراحة أو حقيقة، فإن للعرف دورا في تحديد ما يُسمى من الألفاظ لفظا صريحا بعد أن لم يكن كذلك.
وهذا هو فقه لفظتي الفراق والتسريح، ونحن نجد في كتاب الله عز وجل أن كلمة التسريح استخدمت، ولذلك ذهب الأكثر – كما قلت، ومنهم صاحب «الكوكب المنير» و«الكوكب الدري»، ومنهم الشيخ القطب رحمه الله تعالى في بعض تفاسيره، وغيرهما من علمائنا – رأوا أن لفظ التسريح من الألفاظ الصريحة؛ لأن الله عز وجل استخدم هذه اللفظة في كتابه العزيز حينما قال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، وكذلك في قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28].
ولذلك قلت بأن مذهب الأكثر أن التسريح لفظ صريح في الطلاق، لكن غيرهم – وهم الأقل ورأيهم وجيه – رأوا بأن التسريح في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ إنما يُقصَد به عدم المراجعة؛ فاللواتي تقدَّم طلاقهن، أي تطليقة، ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي شَفَيْنَ بلوغ أجلهن، فإما أن تمسكوهن بمعروف – بمعنى الرجعة الشرعية – أو أن تتركوا أمرهن فلا تردوهن بالمراجعة إلى العصمة، وهذا هو التسريح؛ فهؤلاء – كما قلت – هم الأقل من العلماء، رأوا أن التسريح هنا ليس صريحا في الطلاق، وإنما هو امتداد لحالة الطلاق المتقدمة من الرجل.
لكن القول بأن للعرف دورا في صرف بعض الألفاظ الواضحة البيِّنة المستخدمة في الطلاق كثيرا قول وجيه أيضا، ومن هذه الألفاظ – كما قلت – عندنا لفظ المفارقة؛ فإن الفراق والمفارقة تُستخدَم عندنا في مجتمعنا العماني في مختلف المناطق وعبر مختلف العصور للدلالة على الطلاق صراحة، ولذلك عدَّها جمهور علمائنا من الألفاظ الصريحة في الطلاق.
وبالتالي يكون الضابط الذي يُسأل عنه أمرين اثنين:
أما الأمر الأول فهو وضع اللفظ: إما أن يكون قد وُضِع حقيقة للدلالة على الطلاق، على الفراق، أو أن يكون مشتملا على معنى الطلاق بالمجاز، من طريق المجاز.
ثم الضابط الثاني هو مسألة العرف؛ ولذلك فإن بعض الألفاظ لا تحتمل الدلالة على الطلاق أصلا، كذِكرِ الله عز وجل بقول القائل: سبحان الله، أو ما سوى ذلك من ذكر الله تعالى، أو كان اللفظ غير ذلك من الألفاظ الواسعة التي لا تحتمل الدلالة على الطلاق، وبالتالي فإنه لا يمكن أن يقال بأن الطلاق واقع؛ إذ لا طلاق بالنية، فالطلاق لا يقع بمجرد النية، بل يحتاج – كما هو الحال في العِتاق وفي النذور والأيمان – هي أحكام شرعية تترتب على ألفاظ مخصوصة وُضِعت لها.
طيب، يصدق هذا أيضا على بقية اللغات من غير العربية؟ نعم، لأن سائر اللغات فيها الحقيقة والمجاز أيضا، وفيها ألفاظ وُضِعت أصلا للدلالة على الطلاق حقيقة، تواطأ الناس عليها، وهكذا تُعرَف تلك الكلمات في أنها إنشاء للطلاق، فهذه الكلمات في هذه اللغات الأجنبية غير العربية هي كلمات صريحة في الطلاق، وأما ما سواها مما يحتمل الدلالة على الطلاق من الألفاظ في هذه اللغات فإنه يُعامَل معاملة الكنايات من حيث – كما قلت – اشتراط القصد إلى الطلاق من قِبَل المتحدث، واحتمال اللفظ المستخدم لمعنى الطلاق أو المفارقة.
والله تعالى أعلم.