⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فان رمضان كما وصفتم مدرسة جامعة تكتمل فيها للمسلم جملة من الخصال، وتتحصل له فيها من الآثار ما لا يتحصل له في غيرها من المواسم، وأبرز ما يلحظه المسلم من هذا الموسم الطيب المبارك هو ما يتصل بحقيقة وجوده في هذه الحياة، وهو المعنى الذي أشرتم إليه في المقدمة الضافية؛ فإن قطار العمر يفوت ولا يبقى للإنسان إلا عمله الصالح وتقواه لله تبارك وتعالى، فبالتالي يسعد في آخرته، وما انقضاء الليالي والأيام إلا عوامل تذكِّر هذا الإنسان بحقيقة هذه الحياة، وأنه عنها منقول وسوف يلاقي الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة، ويسأله عما قدَّم فيها؛ فإن قدَّم خيرًا لقي خيرًا، وإن قدَّم غير ذلك لقي ما يستحق.
ولهذا فإن العاقل يحاسب نفسه قبل أن يُحاسَب، ويعدُّ لسؤال الله تبارك وتعالى وللوقوف بين يديه الجواب الذي يبلغه رضوانه، وينجو به من سخطه وعقابه.
وهذه المواسم التي امتنَّ الله عز وجل بها على عباده هي فرائض، أداؤها يرضي الله عز وجل، ومن فضله سبحانه أن جعل في أدائها –أي في أداء العبد لها– ما يدفعه إلى مزيد من الإقبال على الله تبارك وتعالى نظرًا لما يتحصل له فيها من روحانيات وفيوضات إلهية تمكنه بعد ذلك من الاستقامة على الصراط المستقيم، ومن تملك زمام نفسه ولجم شهواتها، والحذر من أهوائه، والسير بها على جادة الصواب.
فهو بحسن امتثاله وتقواه لله تبارك وتعالى يحقق أولًا إدراك حقيقة الحياة وأنها فانية، وأن البقاء إنما هو للدار الآخرة، وأنه ما خُلق إلا ليعبد الله سبحانه وتعالى، وأن عليه أن يغتنم هذه الفرص والمواسم خير اغتنام، وأن يعبد فيها الله سبحانه وتعالى فيؤدي وظيفته فيها؛ لأنه خُلق لهذه الغاية، ولأن في ذلك سعادته في الدنيا والعقبى.
ثم إنه بحسن امتثاله يتحصل على جملة من الدروس والحِكَم التي لا بد أن يقف معها، وأبرز هذه الحِكَم والمقاصد هو تجديد الإيمان؛ فإن المسلم بحاجة إلى أن يجدد الإيمان في قلبه، وإلى أن يحيي الدين في نفسه، فيزداد صلةً بالله تبارك وتعالى، فيقوى إيمانه، وترسخ عقيدته، وهذا ما نفهمه من قوله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه»، ولو علمتم ما في رمضان من فضل لتمنيتم أن يكون سنةً كاملة، وهذا ما نفهمه قبل ذلك من أمر الله عز وجل لعباده بالصيام حينما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فأبرز حكم الصيام أنه يجدد في المرء إيمانه، ويبعث في نفسه حياة الدين بحيث يكون الدين حيًّا في واقعه، يكون الدين ممارسًا معمولًا به في كل حركاته وخلجاته، وفي كل أقواله وأفعاله؛ لأنه حينما ربَّى نفسه على تقوى الله عز وجل بالكف عن المباحات والامتناع عن المحرمات –إذ لا صوم إلا بالكف عن محارم الله– فإن ذلك يعني أنه قادر على امتثال أمر الله سبحانه وتعالى.
ومن مقاصد وحِكَم الصيام أيضًا التي تتحصل للصائم ما يتصل بشكر نعم الله عز وجل؛ فإن الله تعالى حينما قال في معرض حديثه عن الصيام: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ولا ريب أن أغلى ما يشكر العبد له ربَّه تبارك وتعالى هو الهداية لهذا الدين، والتوفيق إليه، فلابد أن يستصحب المسلم دائمًا شكره لله عز وجل على هذه النعمة، ومنها يكون شكره لسائر النعم التي أنعم الله عز وجل بها عليه، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾… فهذه المعاني كلها هي مما يمكن أن يُفهم من مدرسة الصيام، وهي كما تفضلتم مدرسة ضافية جامعة لكثير من خصال الخير.