مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

دلالة الإسراء بين المسجدين

ما دلالة كون رحلة الإسراء من مسجد إلى مسجد لا إلى حواضر الحضارة البشرية، وما علاقتها برسالات الأنبياء ورسالة الإسلام خاصة في زمن الافتخار بالحضارات والتقدم المادي؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن رسالات الله سبحانه التي اختار لحملها صفوةً من خلقه، ونخبةً من عباده صُنعوا على عينه وطُهِّروا تطهيرًا من كل رِجْز؛ إنما تُعنى بوصل الإنسان بخالقه سبحانه وتعالى، والربط ما بين هذه الدنيا والدار الآخرة، والوصل ما بين الفكر والعمل. هذه الرسالات إنما جاءت لتزكية النفس البشرية، فإن فلاح الإنسان بتزكيتها، كما يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. نعم، قد أفلح من زكَّاها بالتقوى، وقد خاب من دسَّاها بالفجور؛ فالتزكية والتدسية ضدان، كما أن الفجور والتقوى ضدان، والضدان لا يجتمعان، فلا يمكن أن يكون أحد فاجرًا تقيًّا، ولا يمكن أن يكون أحد مزكِّيًا لنفسه ومدسِّيًا لها، إنما الناس إما فاجر وإما تقي، وإما مزكٍّ وإما مدسٍّ. والأنبياء جميعًا هم حملة رسالة التزكية، تزكية النفوس البشرية، فلذلك كانت رسالاتهم مربوطة بأماكن القداسة التي تجتمع فيها النفوس المؤمنة من أجل أن تتذكر، أن تتصل بالخالق سبحانه وتعالى، ومن أجل أن تربط بين دنياها وأخراها بحيث تكون هذه الدنيا وسيلة لابتغاء الدار الآخرة. فالدنيا هي أحقر من أن تكون غاية، ولكنها أيضًا أغلى من أن تُهمل؛ فعدم إهمالها لأجل اتخاذها وسيلة لا لأجل اتخاذها غاية، فهي وسيلة للإنسان يتوصل بها إلى ما يبتغيه في الدار الآخرة. ولذلك نجد عندما يذكر الله سبحانه وتعالى هذه الدنيا في القرآن الكريم إنما يذكرها بما يدل على حقارتها وهوانها، وأنها لا تساوي شيئًا بجانب الحياة الآخرة. فالله عز وجل يقول: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾، ثم ذكر ما تميل إليه النفس من متاع هذه الحياة الدنيا فقال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. ونجد أن الله تعالى يضرب أيضًا المثل في هذه الحياة الدنيا، وكيف حقارتها عند الله سبحانه وتعالى، وإنما تزهو وتزدهر في عيون العباد؛ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾، ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾. دار السلام هي الدار الآخرة، الدار السالمة من كل الشوائب، من كل المَكَد، من كل الأخطار، من كل ما يهدد هذه الحياة الدنيا من موت ومرض وفناء وضعف وهوان وذلة؛ تلك الدار دار سالمة من هذه الآفات كلها، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ثم بيَّن مصير الناس في الدار الآخرة بحسب ما يقدمون في هذه الدنيا فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ويقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، ثم بيَّن ما تجب المسابقة إليه والتنافس من أجل العمل الذي يقرب إليه فقال: ﴿وَسَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾. فإذا الرسل جميعًا جاءوا من أجل تزكية هذه النفوس والارتقاء بها وتصفيتها من الأكدَار وتهذيبها حتى تكون متحلِّيةً بالأخلاق الحسنة، ورفع مستواها إلى أن تكون موصولة بالله سبحانه وتعالى، وجاءوا بمنهج تزكيتها؛ فلذلك كانت رسالتهم مربوطة بالمسجد. ولا ريب أن نبينا صلى الله عليه وسلم جاءت رسالته لتتم رسالات المرسلين من قبل، وجاءت رسالته عليه أفضل الصلاة والسلام من أجل أن تكون وريثةً لجميع الرسالات السابقة في هداياتها وفي خيرها، فكل ما تفرَّق في الرسالات السابقة اجتمع في هذه الرسالة. ولا ريب أن المسجد الحرام له قدسية فيما سبق، فإن إبراهيم عليه السلام جدَّد بناءه بأمر الله، ومعه ابنه إسماعيل عليه السلام، وكان مقدَّسًا عند الأمم السابقة، وكان يُحَجُّ إليه ويُسْعى إليه ويُطاف حوله، وكذلك بالنسبة إلى المسجد الأقصى المبارك؛ فقد بارك الله تعالى حوله بما تنزَّل حوله من رسالات الله، وكان معظَّمًا عند الأنبياء السابقين. وقد شاء الله تعالى أن ترث هذه الأمة هذه المقدسات التي كانت للأمم السابقة، ومن أجل ذلك وُجِّه الناس فترةً من الزمن إلى المسجد الأقصى في صلاتهم لأجل أن تجتمع لهذه الأمة الحسنيان، وأن يجمعوا بين مقدسات الرسالات السابقة؛ فلأجل هذا كان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ١٧‏/٦‏/٢٠١٢👁 2 مشاهدة
🎬

عبر الإسراء والمعراج في حوادث اليوم-للشيخ أحمد الخليلي

السيرة النبوية

✦ فتاوى مشابهة

سبب كون الإسراء من مسجد لمسجد

2 👁

لماذا كان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، من مسجد إلى مسجد، وليس من جبل إلى جبل أو مكان آخر؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢٨‏/٦‏/٢٠١١

مغزى ربط الحرمين بالأقصى

2 👁

ما المغزى الذي يجب أن تستوعبه الأمة من ربط حادثة الإسراء بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٨‏/٥‏/٢٠١٥

خصوصية المسجد الأقصى

2 👁

لماذا كان الإسراء إلى المسجد الأقصى لا إلى المدينة المنورة مع قرب بناء المسجد النبوي، وما رمزية اختيار الأقصى ومعنى قوله تعالى: الذي باركنا حوله؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١٧‏/٦‏/٢٠١٢

مكانة القدس والأقصى

2 👁

ما المكانة التي وضعها الإسلام للقدس والمسجد الأقصى وما دلالتهما الإيمانية للمسلمين؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

سرية الهجرة مع وجود المعجزات

2 👁

ما الحكمة من كون الهجرة النبوية جرت بسرية وضمن سنن الحياة الطبيعية، مع إمكان تدخل القدرة الإلهية المباشرة كما في حادثة الإسراء أو عصا موسى عليه السلام؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٧‏/١٠‏/٢٠١٤

إنكار الإسراء والمعراج

3 👁

ذكرتم أن من أنكر الإسراء كفر ومن أنكر المعراج فاسق، فهل هناك أدلة تدل على حدوث المعراج فعلاً للنبي صلى الله عليه وسلم؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١