⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، الإسلام ليسوده نظام الاستبداد ويحرص على الاسترقاق، ولا ريب أن الإسلام دين القوة، دين المنعة، دين لا يرضى بالدنية ولا يعطي الدنية بأي حال من الأحوال، فلو أنه منع الرِّقَّ على الإطلاق في ذلك الوقت لكان ذلك سبيلًا إلى أن يُستَذَلَّ المسلمون من قِبَل أعدائهم، فعندما يأسرون يسترقون، بينما هم يكونون ممنوعين من استرقاق الآخرين، فالقضية قضية المعاملة بالمثل، القضية لا تعدو أن تكون معاملة بالمثل.
ولذلك جفَّف الإسلام جميع منابع الرِّقِّ ما عدا هذا المنبع الوحيد فقط، وهو استرقاق أسرى الحرب من غير المسلمين، أما البغاة المسلمون فلا يحل استرقاقهم، لكن أسرى الحرب لأجل المعاملة بالمثل، ومع ذلك لم يجعل ذلك أمرًا ضروريًّا، وإنما هو موكول إلى الولاية، إلى النظرة السياسية، فإذا اقتضت السياسة أن لا يُعامَلوا هذه المعاملة، أن يُمتعوا بالحرية وأن يُمْنَّ عليهم بها، أو أن يُفاد بهم المسلمون، فذلك خير، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم عندما قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4]، أشار إلى هذا بين الأمرين، وجعلهما الأصل، فالأصل إما أن يُمَنَّ بهم وإما أن يُفاد بهم.
ولكن عندما تقتضي الحكمة الاسترقاق لأجل منع العدو وإخافة العدو حتى لا يُقدِم على استرقاق المسلمين فلا حرج في ذلك، ولكن المَنَّ محبوب إلى النفوس: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، ولذلك كثيرًا في الحروب الإسلامية ما كانت عاقبة الأمر أن يُمَنَّ على الأسرى بإطلاقهم، ورفع أغلال الرِّقِّ عنهم، ورجوعهم إلى أهلهم، وتمتعهم بالحرية، كانت هكذا الحالة.
فإذا الإسلام إنما رأى هذا الجانب، مع أنه بجانب هذا جعل عِتق الرقاب في مقدمة أعمال البر التي يُتقرَّب بها إلى الله سبحانه وتعالى، فهو شجَّع على إنهاء الرِّقِّ بعتق الرقاب، فنحن نرى أنه كلما قارف الإنسان شيئًا كبيرًا يؤمر بأن يكفِّر هذه الكفارة تبدأ بالعتق، ففي الظِّهار قبل كل شيء نطالب الإنسان أن يعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.
ونجد كذلك في القتل: كفارة القتل هي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، نجد في كفارة اليمين التخيير بين إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، مع أن الكفارة هذه بسيطة إذا ما قيست بالكفارات الأخرى، لكن جُعلت الرقبة في مكان إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، وإن تعذَّر الكل فالمرجع إلى الصيام ثلاثة أيام، وهذا كله لأجل التحبيب، تحبيب الناس في العتق، وترغيبهم فيه، ودفعهم إليه.
كذلك نجد أيضًا أن كفارة الصيام تبدأ بالعتق، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، وقد ثبت ذلك بالسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، عليه الصلاة والسلام.
هذه الأدلة تدل على أن الإسلام لم يرد أن يجابه الناس هكذا بمنع الاسترقاق فورًا، ولكنه ضيَّق منبع الاسترقاق، أما ما حصل بعد ذلك في عهود ما بعد الخلافة الراشدة من كثرة الاسترقاق، وجلب الجوارِي من بقاع الأرض، وتشجيع التجارة في الرقيق، إلى غير هذه أمور، لا يُدان بها الإسلام، ولا تُحسب على الإسلام، مع أن أسواق النخاسة في غير بلاد الإسلام كانت أكثر بكثير، بكثير، حتى في ذلك الوقت، منها في بلاد الإسلام.
أما ما دعا إليه الغرب من تحرير الرقيق، والحملة التي حملها، كانت هذه الحملة لأغراض سياسية، ولم تكن هذه الحملة لأجل مراعاة حقوق الإنسان، وإنما كانت هي وسيلة لاستعباد الجميع، ووضع الجميع تحت سيطرتهم، والنفوذ إلى بلاد البشرية من أجل استغلالها، واستغلال منافعها للجميع، وجعل الناس كأنهم لا يملكون في هذه البلاد إلا أن يشتغلوا لمصلحة أولئك السادة المتسلطين.