✓ تم نسخ الرابط
حقيقة مقامات المتأملين
هل التأمل والتفكر يرفع الإنسان فوق طور البشرية حتى يشارك الله في صفاته ويتصرف في الكون كما تزعم بعض المدارس الروحية؟
⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليكون إنسانًا، وسيظل إنسانًا، وسيموت إنسانًا، ويُبعث إنسانًا، الإنسان لا يخرج عن طور الإنسانية حتى يشارك الله تبارك وتعالى في صفاته، أو حتى يشارك الله تعالى في سلطانه، أو حتى يشارك الله تعالى في إحاطته بعلم الغيب، إنما الإنسان مهما رَقِيَ في درجات الخير هو إنسان.
فالنبي صلى الله عليه وسلم هو أشرف البشر عليه الصلاة والسلام، وأعلاهم قدرًا، وأرفعهم رتبة، وأعظمهم شأنًا، كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعرض لما يتعرض له البشر من الهموم والأحزان، والأفراح والسرور، ومن الأمراض والصحة، والتعب والراحة، كل ذلك كان يتعرض له، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم مع علو قدره ورفعة شأنه يؤمر من قبل الله تعالى أن يعلن بأنه بشر كسائر البشر، لا يعلم الغيب، ولو كان يعلم الغيب استطاع أن يدفع عن نفسه الضراء، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [الأعراف: 188].
فهو صلى الله عليه وسلم بطبيعته لا يعلم الغيب، أما ما يخبر عنه من الغيوب فإنما هو وحي أوحاه الله تعالى إليه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: 26-27].
والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان بإمكانه أن يُسعد أحدًا أو يُشقيه، وما كان بإمكانه أن يدفع عن أحد ضراء أو يجلب له سراء، اللهم إلا بدعائه لله تعالى وابتهاله إليه وتضرعه، فإن الدعاء لا ريب يقرب العبد من ربه، ويحقق له به مراده، وهو انكسار بين يدي الله تعالى وخضوع، وإيقان بأنه تعالى وحده الذي يملك ناصية كل شيء؛ فنواصي الأمور كلها بيده، ليس لأحد أي تدخل في تصريف هذا الكون، وليس لأحد أي تدخل في دفع ضراء أو تحقيق سراء، إنما كل ما يملكه الإنسان أن يدعو الله تعالى ويبتهل إليه وينكسر بين يديه، هذا الذي يستطيعه الإنسان.
ولئن كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام مع علو قدره ومع ما أبَان الله سبحانه وتعالى من فضله حيث قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107] لا يملك أن يدفع عن أحد ضراء أو أن يحقق له سراء، لا يملك أن يجلب لنفسه السراء وأن يدفع عنها الضراء إلا بابتهاله وتضرعه إلى الله، ولا يعلم الغيب، فكيف بغيره صلى الله عليه وسلم؟ كيف بأحد من البشر يزعم أنه يستطيع أن يتصرف في الوجود، وأن يعطي ويمنع، ويرفع ويخفض، ويهب ويسلب، ويحيي ويميت، ويُسعد ويُشقي، ويقول للشيء كن فيكون؟ إنما هذه من خصائص الله تعالى وحده، هي من خصائص صفات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء، الله تعالى وحده هو الذي يُصرّف في هذا الكون، له الخلق والأمر، كما قال الله سبحانه وتعالى.
ومعنى ذلك أن إيجاد العالم بما احتواه، وإخراج كل شيء من الغيب إلى الشهادة إنما هو بأمره تعالى وحده لا بمشاركة أحد من خلقه، وكذلك تصريف هذا الكون وما يكون فيه من إحياء وإماتة، وإغناء وإفقار، ورفع وخفض، وسلب وهَبٍ، كل ذلك أيضًا إنما يعود إلى الله سبحانه وتعالى وحده.
فلا يملك أحد من الناس –أيًّا كان– أن يحقق لأحد من الخلق شيئًا من ذلك، ولا يملك لنفسه أن يحقق لها شيئًا من هذه الأمور، ولا ريب أن هؤلاء الذين يدّعون أنهم بتأملاتهم وبتفكّرهم يخرجون من هذا العالم إلى عالم آخر، يتمكنون من تصريف العالم، والرفع والخفض، والإيتاء والحرمان، والوهب والسلب، وغير ذلك، إنما هم يدّعون ما لم يكن إلا لله عز وجل، يدّعون خصائص الألوهية التي لا تليق إلا بالله سبحانه، فالله وحده هو المصرف للوجود.
حسبنا ما نقرأه في كتاب الله: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 1-2]، الله تعالى ربوبيته تشمل العالمين، ومعنى ذلك أنها تشمل كل ذرة من ذرات الوجود، فكل ذرة من ذرات الوجود إنما هي واقعة تحت شمول ربوبيته سبحانه وتعالى، فلا تخرج عن تصريف الله تعالى وتقديره، وهي بحاجة إلى هذه العناية من الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن لأي أحد أن يُغْنِيَها عن الله عز وجل، إنما الله تعالى وحده هو الذي يصرف كل كائن من هذه الكائنات، فعلى الإنسان ألا يتعدى طوره، وألا يتجاوز حدود العبودية لله سبحانه وتعالى.
أما الذين يدّعون ما يدّعونه من تصريف الكون، ومن الرفع والخفض، ومن الإحياء والإماتة، فإن كانوا صادقين فيما يزعمون، ليدفعوا عن أنفسهم الموت، وليخلدوا أنفسهم في هذه الحياة، ولِيدفعوا عن أنفسهم الأمراض، لا ريب أن الأمراض تعروهم، ولا ريب أن الموت يأتيهم، ولا ريب أنهم معرضون للغنى والفقر، ومعرضون لكل ما يتعرض له الإنسان؛ هؤلاء لا يملكون لأحد من الخلق، بل لا يملكون لأنفسهم مثقال ذرة من الخير أبدًا، ولا من دفع الشر، إنما هم واقعون تحت إرادة الله.
كل ما يمكنهم أن يفعلوه أن يبتهلوا إلى الله ويتضرعوا إليه، ويعلنوا افتقارهم إليه، ويعلنوا عبوديتهم له سبحانه، هذا الذي يمكن للإنسان أن يتوصل إليه، أما زيادة على ذلك فلا، الله المستعان.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٣١/٥/٢٠١١👁 2 مشاهدة
🎬
التفكر والتدبر 2 - الشيخ أحمد الخليلي - ليلة 20 شوال 1429 هـ
العقيدة
✦ فتاوى مشابهة
التفكر دون تجاوز للغيب
3 👁كيف يتأمل الإنسان في خلق الله دون أن يخرج إلى عالم الغيبيات؟
👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١/٥/٢٠١١التأمل في النفس
2 👁كيف نتأمل في خلق أنفسنا؟
👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١/٥/٢٠١١هل تعبدنا الله بدين؟
2 👁هل تعبدنا الله بدين، وما هي الأدلة العقلية على أن خالق الكون تواصل مع البشر وشرع لهم ديناً؟
👤أحمد بن حمد الخليلي
٤/٨/٢٠١٣لماذا خلق الله الإنسان
2 👁لماذا خلق الله الإنسان وماذا يريد الله تعالى منه في هذه الحياة؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٤/١/٢٠٢١أثر صفات الله على العبودية
2 👁كيف تؤثر معرفة صفات الله تعالى والإيمان بها وتنزيه الله عز وجل على العبد ليخلص العبودية لله؟
👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١/٥/٢٠١١هل الصلاة مثبت أم مولد؟
2 👁هل تأتي الصلاة كمثبت للمعاني الإيمانية والميزان بين الماديات والروحانيات أم أنها هي التي تولد هذه المعاني في النفس؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠/١٠/٢٠٢٠