⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن الله تعالى استأثر بعلم الغيب عنده، ولذلك فإنه قال: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: 65]، وقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 59].
وذلك لأن هذه المنزلة هي منزلة الألوهية، هي منزلة الربوبية، فالله تبارك وتعالى بيده كل شيء، وإليه يرجع كل أمر، هو جل وعلا ذو الكبرياء والعظمة، ذو العلم المطلق والقدرة المطلقة، ولذلك فإن هذه المنزلة منزلة الألوهية إنما هي لله تبارك وتعالى وحده، ولذلك فإنه استأثر بعلم الغيب عنده، هو عالم الغيب، وهو عالم الشهادة جل وعلا، وإليه مرد كل أمر، وبيده تدبير كل أمر سبحانه.
وهو جل وعلا يبين لعباده أن لا أحد يمكن أن ينازعه هذه الكبرياء، أو أن يشاركه في هذه العظمة وفي هذا الجلال، ويدعوهم إلى الإيمان به، ومن لوازم الإيمان أن يؤمنوا بصفاته العُلى وأسمائه الحسنى، وبقدرته المطلقة، وجلاله، وهيبته، وعظمته التي تليق بجلال وجهه وكريم صفاته سبحانه وتعالى، ولا تداني هذه المنزلة أي منزلة، لا لملك مقرّب، ولا لنبي مرسل، ولا لأحد من البشر أبدًا، ولهذا استأثر بعلم الغيب عنده حتى يكون كلٌّ في منزلته التي جعلها ربنا جل وعلا له.
فالله تبارك وتعالى هو خالق كل شيء، وهو المتصرف في هذا الكون، وهو الذي أعطى العباد والمخلوقات منازلها ومكانتها في هذه الحياة الدنيا، وهو الذي يرجع الأمر كله إليه في الحياة الآخرة، فهو رب السماوات والأرض، هو رب الدنيا والآخرة، ولذلك هذه هي الحكمة الأولى الظاهرة من استئثاره جل وعلا بالغيب.
وهذا أيضًا حتى يعرف الخلق أقدارهم، فلا يجاوزوا هذه الأقدار، ولا ينازعوا الله سبحانه وتعالى ما استأثر به لنفسه، وليس لهم أن ينزلوا أحدًا منهم –حتى ولو كان نبيًّا مرسَلاً من عند الله تبارك وتعالى– منزلة التقديس والألوهية والربوبية.
ولذلك فإن هذا الغيب المطلق الذاتي، العلم بالغيب مطلقًا علمًا ذاتيًّا، إنما هو لله تبارك وتعالى. وما ينكشف، أو ما يُظهر الله تبارك وتعالى لبعض عباده، إنما هو غيب بمعناه الإضافي؛ حينما يؤثر الله عز وجل بعض عباده فيُطلعهم على بعض عالم الغيب، فهذا الغيب يكون غيبًا إضافيًّا كما يقول العلماء.
فالغيب الذي يعلمه الله سبحانه وتعالى بنفسه، واستأثر به لنفسه، هو غيب حقيقي؛ لأنه لم ينكشف لأحد. وأما ما يُكشَف من بعض ما هو معلوم مما سوى عالم الشهادة –ويُقصد بعالم الشهادة ما هو مشهود محسوس، ما يُدرَك بالحواس– فما سوى ذلك هو من عالم الغيب، فما يمكن أن يُظهره الله عز وجل على بعض عباده فإنه يُطلَق عليه أنه غيب إضافي، يسمى غيبًا إضافيًّا، لأن الله تبارك وتعالى أظهر عليه بعض عباده.
وهذا يمكن أن نفهمه أيضًا من أدلة من كتاب الله عز وجل، كقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: 26-27].