⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما إيمانيا، فإن دلالة العيد تمام العبودية لله تبارك وتعالى؛ فقبل يوم العيد كان الصوم واجبا، ومن ترك الصوم دون عذر شرعي مقبول فإنه يأثم، وتترتب عليه التزامات من قضاء وتوبة وكفارة، ثم بعد ليلة العيد – أي في صبيحة يوم العيد – يكون الصوم ممنوعا، وكل ذلك إنما هو تعبُّد لله تبارك وتعالى وحده، هو الذي أمر بالصيام، وهو الذي نهى عن الصيام.
فهذا المعنى الإيماني لا بد أن ينتبه له الصائم، لا بد أن ينتبه له المسلم؛ وانتباهته لهذا المعنى إنما تكمن في أنه يمتثل أمرَ الله تبارك وتعالى ويُسلِّم له تسليما، ويحمل نفسه على الطاعة، يحمل نفسه على أن يكون موجودا حيث أمره الله تبارك وتعالى، مفقودا حيث نهاه ربُّه جل وعلا.
من المعاني الإيمانية أيضا للعيد أن استبشار المسلم دائما ما يكون بطاعة الله عز وجل، وكان غاية مُنى هذا المسلم أن يحوز رضا ربِّه جل وعلا؛ ولذلك فإنه إذا ما أتمَّ عبادةً – مع خوفه من تقصيره فيها – إلا أنه يرجو أن يكون ممن تقبلهم الله تبارك وتعالى، ولذلك فإنه يستبشر بطاعته هذه وبعبادته هذه، والله عز وجل يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
يعني هذا الصائم الذي يبتهج يوم العيد يبتهج بماذا؟ هو يبتهج وقد خرج من فريضة هو فيها مُمسِك عن مباحات، عن طعام وشراب وجماع خلال النهار، وفي الليل يستعين بما يستطيع من القيام والتهجد لله تبارك وتعالى وتلاوة القرآن الكريم والضَّراعة، فليس هناك شيء من الماديات التي تجعله يحتفل ويبتهج، لكنه يبتهج بهذا المعنى الإيماني؛ ولذلك فإنه يشكر نعم الله عز وجل عليه، ولذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185].
وهذا معنى إيماني آخر، وهو توقير الله عز وجل، هذا التكبير ليس مجرد تكبير باللسان، وإنما هو تكبير في القلب، هو تعظيم لله عز وجل في القلوب، تعظيم له جل وعلا ولحدوده وشرائعه ولِما افترضه، ولهيبته وجلاله سبحانه وتعالى، هو مزيد من الحب له سبحانه، ومزيد من الخوف والشفقة منه، هكذا يبتهج المؤمن يوم العيد ويتذكر هذه المعاني الإيمانية.
أما اجتماعيا، فمعانيه واضحة؛ لأنها تُحقِّق معنى تعاطف المؤمنين، ومعنى جسدية هذه الأمة، لما وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «ترى المؤمنين في توادِّهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»، فإن هذا المعنى يتجلى أكثر ما يتجلى في أمثال هذه المواسم، في مواسم الطاعة وفي أعياد المسلمين؛ لأن المسلمين يستلُّون من نفوسهم العداوات والأحقاد والضغائن، ويُقبِلون على بعضهم البعض ببشاشة وطلاقة وجه ومحبة وألفة وتعاطف، يُزيلون ما يمكن أن يكون قد غشي علاقاتهم من فتور أو عداوة أو شيء من الشحناء، يُزيلونه ويتصالحون على الخير، يُهنِّئون أنفسهم ويُهنِّئون بعضهم البعض بما أكرمهم الله تعالى به، يتذكرون انقضاء الأيام والليالي، وأن ما في هذه الحياة الدنيا من حُطام إنما هو حطام زائل، وأن الذي ينبغي أن يحرصوا عليه إنما هو طاعة الله عز وجل، وأن الذي يحقق لهم العزة والكرامة إنما هو امتثالهم لأمر الله جل وعلا.
هذه المعاني الاجتماعية هي التي تُورث مجتمعات المسلمين القوةَ والعزَّةَ والمَنَعة إن فهموها وأتقنوها، وهذا يقودنا إلى أن نتذكر واقعنا، وأن نؤكد على هذا المعنى: أنه إن لم تكن أعيادنا فرصةً لمراجعة أنفسنا، ولتذكر أن هيبتنا كأمة تتحقق إلا برصِّ صفوفنا وجمع كلمتنا ورأب صَدعِنا، فإنه لا يمكن أن يتحقق لنا ذلك إن لم ننتبه، إن لم نستجْلِ هذه المعاني والدروس والعبر والعظات من أمثال هذه المناسبات والشعائر التي أكرمنا الله تبارك وتعالى بها.